ذاكرة تُمحى… ووطن يُعاد تعريفه

آراء 26-03-2026 | 05:21

ذاكرة تُمحى… ووطن يُعاد تعريفه

انشغل العالم بحربٍ لا مستقرّ لها. ولم نعد نتحدث عن السلام في المنطقة، وقضية الشعب الفلسطيني، والحشد العالمي من أجل غزة. ولكن أهم ما يلفت النظر حول موضوع الحشد العالمي للسَِلم  لأجل غزّة أمران...
ذاكرة تُمحى… ووطن يُعاد تعريفه
غزة (أ ف ب)
Smaller Bigger

انشغل العالم بحربٍ لا مستقرّ لها. ولم نعد نتحدث عن السلام في المنطقة، وقضية الشعب الفلسطيني، والحشد العالمي من أجل غزة. ولكن أهم ما يلفت النظر حول موضوع الحشد العالمي للسَِلم  لأجل غزّة أمران:

 

الأول: غياب إسم فلسطين عن طاولة اللقاءات، كأن الوطن كلمةٌ زائدة يمكن حذفها من دون أن يختلّ المعنى.

 

الثاني: الإصرار الضمني من البعض على التخلّص من الشعب الفلسطيني، حتى يبدو المشهد أرضاً بلا أصحاب، وذاكرةً بلا شهود.

يُركَّز على غزّة كأنها مدينةٌ هبطت من مدارٍ آخر، لا جزءاً من فلسطين، ولا من الجغرافيا العربية، ولا من نبض التاريخ.

 

يعقد الاجتماع وينفضّ، ولا حديث عن شعبٍ ووطن؛ نتحدث عن تطويرٍ وتنسيقٍ وإزالة ألغام، ثم ننزلق إلى صراعات تفاصيل أهداف الشركات، حول العقارات والأمن والخدمات، فتتساقط مفردات الحقوق والعودة وأهل الأرض كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة.

 

أما الأمر الثاني فقد بدأ بالفعل: التوقّف عن ذكر الفلسطينيين، أو حتى الغزّيين؛ أي بدء نسيان البشر أنفسهم. وسنستيقظ قريباً (كما يحلم العابرون)، على لغةٍ تتحدث عن أرضٍ بلا سكان، وكأن الناس كانوا تفصيلاً عابراً في الهامش.

 

 

لقد بدأت الحكاية منذ سنوات، حين ركّز الإعلام العربي — بوعيٍ موجَّه — على قضية غزّة لا قضية فلسطين؛ حين استُبدل "الشعب الفلسطيني" بعبارة "سكان غزّة"، من حينها ضاقت مساحة الضوء لتكشف جزءاً من جرح القطاع فقط، ويترك الجسد الفلسطيني كله في العتمة.

 

وبينما نحن نحدّق في الركام وسط غزة، لا نرى كيف تُخطف الضفة بصمت. هناك تُدار العملية بقسوةٍ باردة: مصادرةٌ الحقوق القانونية، إلغاءٌ سياسيٌّ ممنهج، تشويه التاريخ، وفرضُ واقعٍ أشدُّ قسوةً من الحرب ذاتها.

 

في الضفة والقدس يُراد للقضية أن تموت في زاويةٍ مهملة، في ركنٍ من الظلام، من دون أن يلتفت أحد. بجرّة قلم يُقتل الناس، يُسجنون، تُهدم بيوتهم، وتُمحى عناوينهم من الذاكرة، بلا صورةٍ معبرة في الإعلام، ولا صدىً في الضمير الدولي.

 

حملات كثيفة من التضليل تريدنا أن نبقى في عالمٍ مواز، يقول لنا الإعلام الدولي إنه قريباً سيُقدَّم "مجلس غزّة". صورةٌ خياليةٌ أخرى. سيُقدَّم بصفته مشروعاً لقطعة أرضٍ مطلّة على المتوسط الجميل، بأسواقٍ مدهشة وأبراج بورصة، وساكنين جددٍ بربطات عنقٍ زاهية وحقائبٍ جلدية محشوّة بعقود المناقصات، لا بقصائد الصمود ولا بوثائق ملكية الأرض.

 

هكذا يُراد لغزّة أن تتحوّل من رئة الوطن الفلسطيني إلى شركةٍ دولية… لا أكثر. أما السكان، فيعاد صوغ مصيرهم عبر الترحيل القسري أو "الطوعي"، والاستيعاب في الجغرافيا المتناثرة والمنافي البعيدة، وفتح معابرٍ للهجرة والشتات أو مقابرٍ جديدة حتماً. وإن بقي بعضٌ من الصامدين، فسيُراد لهم أن يكونوا بقايا للذكرى، مثل ظلٍّ بعيدٍ لقبائل الهنود الحمر. وحتى من دون صورة المحارب الهندي الأحمر، سنكون من دون رماحٍ للطعن ولا خيولٍ للكرّ، مجرّد نشاطٍ رمزيٍّ لبعض المجتمع المدني، بلا أدوات مقاومةٍ أو حضورٍ فعلي.

 

هذه ليست صورةً متخيّلة، بل حلمٌ معلنٌ يردّده الطامعون بغزّة. رؤيةٌ تنعكس في ذهنية الكاوبوي الذي يختصر المشهد بلقطةٍ مكرّرةٍ شهيرة من أفلام الإثارة، بحيث يسير وحزام مسدسه يتدلّى على خصره، يمتصّ عقب سيجارته حتى آخر نفس، ثم يرميه خلفه ليحرق به آخر خيام الصمود.

 

لكن ما يغيب عن أصحاب هذه الرؤية — أو ما لا يريدون تصديقه — أن فلسطين ليست كسائر بقاع الأرض. ليست مجرد أرضٍ خلاء. ينسون أن موقع هذه الخيام مهبطٌ للديانات السموية، بل موطنُ شعبٍ تعلّم أن يقف وحيداً في وجه أعاصير الغزاة. مكرراً بصبر الواثقين خذوا حصّتكم من دمنا وانصرفوا.

 

لقد مرّت على هذه الأرض غزواتٌ وحملات، وخلّفت الحملات خراباً يفوق ما نراه اليوم، ثم ذهبت إلى زوال، وبقي أطفال فلسطين يحرسون الحجارة والجبال والسماء. ويعيدون من كومة الخراب مدناً للصمود.

 

تلك هي معادلتنا، وما يجعلنا مُصابين بـ"عدوى الأمل". ونقول إن بين هذا الركام ما يستحق الحياة. "عشبٌ عَلَى حجرٍ، أُمَّهاتٌ تَقِفْنَ عَلَى خَيْطِ نايٍ, وخوفُ الغُزَاةِ مِنَ الذِّكْرياتْ".

أما عدا ذلك، فنخجل أن ننظر إلى مرايا الصباح العربي حين يشرق الضوء ممزوجاً بالخوف.

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/24/2026 6:02:00 PM
عاصفة نادرة تضرب الشرق الأوسط: أمطار غزيرة ورياح مدمّرة واحتمال أعاصير
لبنان 3/25/2026 9:08:00 PM
"القرار يقضي بأنه، إلى حين نزع حزب الله سلاحه، سيبقى الجيش الإسرائيلي بالكامل في المنطقة"...
لبنان 3/25/2026 2:48:00 PM
جعجع: قرار الطلب من السفير الإيراني مغادرة لبنان هو قرار الحكومة اللبنانية بالتنسيق والتوافق بين رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الخارجية وليس قرار القوات اللبنانية وإن كانت تؤيّده تماماً
لبنان 3/25/2026 6:53:00 PM
في معلومات لـ"النهار" إن جهازاً أمنياً بقيادة عدد من الضباط أجرى كشفاً في الأيام الأخيرة شمل كل أفراد الجالية الإيرانية في لبنان...