تعبيرية.
فاروق غانم خداج
كاتبٌ لبنانيٌّ وباحثٌ في الأدبِ والفكرِ الإنسانيّ
لم تكنْ درجةُ الدكتوراه، في أصلِها، تاجًا يُوضَعُ على الرؤوس، ولا صكَّ عبقريةٍ يُشهَرُ في وجوهِ الآخرين. هي شهادةٌ تؤكّدُ أنّ صاحبَها غاصَ عميقًا في جزءٍ صغيرٍ من حقلٍ معرفيٍّ واسعٍ، بمنهجٍ صارمٍ، وبسؤالٍ محدَّد. غير أنّ الخللَ يبدأُ حين تتحوّلُ هذه الدرجةُ من أداةِ معرفةٍ إلى رمزِ مكانةٍ اجتماعيّة، ومن مساهمةٍ علميّةٍ إلى لقبٍ يُستثمرُ خارج سياقِه الطبيعيّ.
السؤالُ اليومَ لم يعد ثقافيًّا فحسب، بل أصبح اقتصاديًّا ووطنيًّا: هل يتّسعُ “سوقُ” لبنانَ الأكاديميُّ والاقتصاديُّ لشهاداتِ دكتوراهٍ جديدةٍ كلَّ عام؟
في الواقعِ اللبنانيّ، تتكدّسُ مئاتُ أطروحاتِ الدكتوراهِ بانتظارِ دورِها للوصولِ إلى منصّةِ المناقشة، ولا سيّما في الجامعة اللبنانية، حيث تضغطُ قلّةُ المواردِ وكثرةُ المسجّلين على بنيةٍ إداريّةٍ مرهقة. وفي الوقتِ نفسه، تفتحُ جامعاتٌ خاصّةٌ جديدةٌ برامجَ دكتوراه بوتيرةٍ متسارعة، يغلبُ عليها تخصّصاتُ إدارةِ الأعمال، والعلومِ الاجتماعيّةِ والإنسانيّةِ والسياسيّة، والعلومِ الدينيّة. مجالاتٌ محترمةٌ في ذاتِها، لكنّها في لبنان تعاني أصلًا من تضخّمٍ في العرضِ مقابل محدوديّةِ الطلبِ الفعليّ، خصوصًا في ظلّ استمرارِ هجرةِ نسبةٍ ملحوظةٍ من حملةِ الشهاداتِ العليا سنويًّا.
هنا تبرزُ الملاحظةُ التي أشار إليها الدكتورُ محمدُ شيا في إحدى محاضراته حول تكدّسِ الشهاداتِ العليا، إذ نبّه إلى خطورةِ تحوّلِ الدكتوراه إلى مسارٍ متضخّمٍ لا يقابله امتصاصٌ مؤسّسيٌّ أو اقتصاديٌّ حقيقيّ. المسألةُ ليست في عددِ الدكاترة، بل في غيابِ التخطيطِ الذي يربطُ الإنتاجَ الأكاديميَّ بحاجةٍ وطنيّةٍ واضحة.
لكنّ الظاهرةَ أعمقُ من مجرّد أرقام. هناك عواملُ متشابكةٌ تجعلُ الدكتوراه أحيانًا هدفًا بحدِّ ذاتِها، لا وسيلةً للبحثِ والإضافة:
تحوّلُ بعضِ برامجِ الدكتوراه إلى مصدرِ تمويلٍ للجامعات، بحيثُ يصبحُ التوسّعُ في القبولِ خيارًا ماليًّا قبل أن يكونَ علميًّا.
استخدامُ الشهادةِ كأداةِ ترقيةٍ إداريّةٍ أو وظيفيّةٍ في مؤسّساتٍ رسميّةٍ أو خاصّة، ما يدفعُ بعضَ المتقدّمينَ إلى البحثِ عن مسارٍ أسهل لنيلِ اللقب.
ضعفُ آليّاتِ التقييمِ الصارمِ في بعضِ البرامج، حيث تتحوّلُ الأطروحةُ إلى جهدٍ وصفيٍّ مكرّرٍ لا يضيفُ جديدًا نوعيًّا.
غيابُ الربطِ بين البحثِ الأكاديميِّ وحاجاتِ الاقتصادِ الحقيقيّ، في بلدٍ يفتقرُ إلى قاعدةٍ صناعيّةٍ أو تكنولوجيّةٍ واسعةٍ تستوعبُ الأبحاثَ التطبيقيّة.
هذا الانفصالُ بين الإنتاجِ الأكاديميِّ والواقعِ الاقتصاديّ يخلقُ فجوةً مزدوجة: فائضًا في الألقاب، ونقصًا في الأثر.
في المقابل، اختارت دولٌ أخرى إعادةَ تعريفِ معنى الدكتوراه. في الصين مثلًا، يتعزّزُ التوجّهُ نحو تشديدِ الطابعِ التطبيقيّ للبحث، بحيث لا تُمنَحُ الدرجةُ في بعضِ المجالاتِ إلا إذا تضمّنَت ابتكارًا فعليًّا أو إضافةً قابلةً للتطبيق، أقربَ إلى أثرٍ ملموسٍ في الواقع. وفي بعضِ الأنظمةِ الأكاديميّةِ الأوروبيّة، كما في ألمانيا، يُشترطُ نشرُ جزءٍ من نتائجِ البحثِ في مجلاتٍ علميّةٍ مُحكَّمة قبل المناقشة. ليست العبرةُ في استنساخِ نموذجٍ بعينه، بل في طرحِ سؤالٍ جوهريّ: هل نريدُ دكتوراه تُراكمُ الأوراقَ، أم دكتوراهً تُنتجُ أثرًا؟
من هنا يصبحُ النقاشُ مشروعًا وملحًّا:
أما آنَ الأوانُ لتدخّلِ وزارةِ التعليمِ العالي لوضعِ معاييرَ وطنيّةٍ أكثرَ صرامةً لتنظيمِ هذا المسار؟
أما آنَ الأوانُ لربطِ عددِ البرامجِ بحاجاتِ البلدِ الفعليّة؟
أما آنَ الأوانُ لجعلِ إتقانِ لغةٍ أجنبيّةٍ مستخدمةٍ عالميًّا شرطًا ملزمًا، لا ترفًا شكليًّا، حتى لا يبقى الباحثُ معزولًا عن أحدثِ ما يُنتَجُ في مجالِه؟
إنّ المعرفةَ اليومَ عابرةٌ للحدود. والباحثُ الذي لا يقرأُ بلغاتٍ حيّةٍ يصعبُ عليه أن يُضيفَ جديدًا حقيقيًّا. الجودةُ ليست شعارًا، بل منظومةُ شروطٍ واضحةٍ ومترابطة.
غير أنّ الأهمَّ هو إعادةُ الاعتبارِ إلى معنى الدكتوراهِ نفسِها. فهي ليست امتدادًا تلقائيًّا للماجستير، ولا محطةً إلزاميّةً لكلِّ طموحٍ وظيفيّ، بل مسؤوليّةٌ علميّةٌ ثقيلة. حين تُمنَحُ بلا صرامةٍ، تُفرَغُ من معناها. وحين تُكدَّسُ بلا تخطيطٍ، تتحوّلُ إلى عبءٍ على صاحبِها وعلى البلد.
المشكلةُ ليست في كثرةِ الطامحين، بل في غيابِ الرؤية. لبنانُ الذي يعاني من هجرةِ العقولِ لا يحتاجُ إلى تضخيمِ الألقاب، بل إلى تعزيزِ النوعيّة، وربطِ البحثِ بخططٍ وطنيّةٍ واضحةٍ في التربيةِ والاقتصادِ والإدارةِ العامّةِ والتكنولوجيا والتنميةِ الاجتماعيّة.
الدكتوراه الحقيقيّةُ ليست ورقةً مُعلَّقةً على جدار، بل سؤالًا جديدًا أُضيفَ إلى المعرفة، وحلًّا جديدًا أُضيفَ إلى الواقع.
فهل نملكُ شجاعةَ الانتقالِ من ثقافةِ اللقبِ إلى ثقافةِ الأثر؟
كاتبٌ لبنانيٌّ وباحثٌ في الأدبِ والفكرِ الإنسانيّ
لم تكنْ درجةُ الدكتوراه، في أصلِها، تاجًا يُوضَعُ على الرؤوس، ولا صكَّ عبقريةٍ يُشهَرُ في وجوهِ الآخرين. هي شهادةٌ تؤكّدُ أنّ صاحبَها غاصَ عميقًا في جزءٍ صغيرٍ من حقلٍ معرفيٍّ واسعٍ، بمنهجٍ صارمٍ، وبسؤالٍ محدَّد. غير أنّ الخللَ يبدأُ حين تتحوّلُ هذه الدرجةُ من أداةِ معرفةٍ إلى رمزِ مكانةٍ اجتماعيّة، ومن مساهمةٍ علميّةٍ إلى لقبٍ يُستثمرُ خارج سياقِه الطبيعيّ.
السؤالُ اليومَ لم يعد ثقافيًّا فحسب، بل أصبح اقتصاديًّا ووطنيًّا: هل يتّسعُ “سوقُ” لبنانَ الأكاديميُّ والاقتصاديُّ لشهاداتِ دكتوراهٍ جديدةٍ كلَّ عام؟
في الواقعِ اللبنانيّ، تتكدّسُ مئاتُ أطروحاتِ الدكتوراهِ بانتظارِ دورِها للوصولِ إلى منصّةِ المناقشة، ولا سيّما في الجامعة اللبنانية، حيث تضغطُ قلّةُ المواردِ وكثرةُ المسجّلين على بنيةٍ إداريّةٍ مرهقة. وفي الوقتِ نفسه، تفتحُ جامعاتٌ خاصّةٌ جديدةٌ برامجَ دكتوراه بوتيرةٍ متسارعة، يغلبُ عليها تخصّصاتُ إدارةِ الأعمال، والعلومِ الاجتماعيّةِ والإنسانيّةِ والسياسيّة، والعلومِ الدينيّة. مجالاتٌ محترمةٌ في ذاتِها، لكنّها في لبنان تعاني أصلًا من تضخّمٍ في العرضِ مقابل محدوديّةِ الطلبِ الفعليّ، خصوصًا في ظلّ استمرارِ هجرةِ نسبةٍ ملحوظةٍ من حملةِ الشهاداتِ العليا سنويًّا.
هنا تبرزُ الملاحظةُ التي أشار إليها الدكتورُ محمدُ شيا في إحدى محاضراته حول تكدّسِ الشهاداتِ العليا، إذ نبّه إلى خطورةِ تحوّلِ الدكتوراه إلى مسارٍ متضخّمٍ لا يقابله امتصاصٌ مؤسّسيٌّ أو اقتصاديٌّ حقيقيّ. المسألةُ ليست في عددِ الدكاترة، بل في غيابِ التخطيطِ الذي يربطُ الإنتاجَ الأكاديميَّ بحاجةٍ وطنيّةٍ واضحة.
لكنّ الظاهرةَ أعمقُ من مجرّد أرقام. هناك عواملُ متشابكةٌ تجعلُ الدكتوراه أحيانًا هدفًا بحدِّ ذاتِها، لا وسيلةً للبحثِ والإضافة:
تحوّلُ بعضِ برامجِ الدكتوراه إلى مصدرِ تمويلٍ للجامعات، بحيثُ يصبحُ التوسّعُ في القبولِ خيارًا ماليًّا قبل أن يكونَ علميًّا.
استخدامُ الشهادةِ كأداةِ ترقيةٍ إداريّةٍ أو وظيفيّةٍ في مؤسّساتٍ رسميّةٍ أو خاصّة، ما يدفعُ بعضَ المتقدّمينَ إلى البحثِ عن مسارٍ أسهل لنيلِ اللقب.
ضعفُ آليّاتِ التقييمِ الصارمِ في بعضِ البرامج، حيث تتحوّلُ الأطروحةُ إلى جهدٍ وصفيٍّ مكرّرٍ لا يضيفُ جديدًا نوعيًّا.
غيابُ الربطِ بين البحثِ الأكاديميِّ وحاجاتِ الاقتصادِ الحقيقيّ، في بلدٍ يفتقرُ إلى قاعدةٍ صناعيّةٍ أو تكنولوجيّةٍ واسعةٍ تستوعبُ الأبحاثَ التطبيقيّة.
هذا الانفصالُ بين الإنتاجِ الأكاديميِّ والواقعِ الاقتصاديّ يخلقُ فجوةً مزدوجة: فائضًا في الألقاب، ونقصًا في الأثر.
في المقابل، اختارت دولٌ أخرى إعادةَ تعريفِ معنى الدكتوراه. في الصين مثلًا، يتعزّزُ التوجّهُ نحو تشديدِ الطابعِ التطبيقيّ للبحث، بحيث لا تُمنَحُ الدرجةُ في بعضِ المجالاتِ إلا إذا تضمّنَت ابتكارًا فعليًّا أو إضافةً قابلةً للتطبيق، أقربَ إلى أثرٍ ملموسٍ في الواقع. وفي بعضِ الأنظمةِ الأكاديميّةِ الأوروبيّة، كما في ألمانيا، يُشترطُ نشرُ جزءٍ من نتائجِ البحثِ في مجلاتٍ علميّةٍ مُحكَّمة قبل المناقشة. ليست العبرةُ في استنساخِ نموذجٍ بعينه، بل في طرحِ سؤالٍ جوهريّ: هل نريدُ دكتوراه تُراكمُ الأوراقَ، أم دكتوراهً تُنتجُ أثرًا؟
من هنا يصبحُ النقاشُ مشروعًا وملحًّا:
أما آنَ الأوانُ لتدخّلِ وزارةِ التعليمِ العالي لوضعِ معاييرَ وطنيّةٍ أكثرَ صرامةً لتنظيمِ هذا المسار؟
أما آنَ الأوانُ لربطِ عددِ البرامجِ بحاجاتِ البلدِ الفعليّة؟
أما آنَ الأوانُ لجعلِ إتقانِ لغةٍ أجنبيّةٍ مستخدمةٍ عالميًّا شرطًا ملزمًا، لا ترفًا شكليًّا، حتى لا يبقى الباحثُ معزولًا عن أحدثِ ما يُنتَجُ في مجالِه؟
إنّ المعرفةَ اليومَ عابرةٌ للحدود. والباحثُ الذي لا يقرأُ بلغاتٍ حيّةٍ يصعبُ عليه أن يُضيفَ جديدًا حقيقيًّا. الجودةُ ليست شعارًا، بل منظومةُ شروطٍ واضحةٍ ومترابطة.
غير أنّ الأهمَّ هو إعادةُ الاعتبارِ إلى معنى الدكتوراهِ نفسِها. فهي ليست امتدادًا تلقائيًّا للماجستير، ولا محطةً إلزاميّةً لكلِّ طموحٍ وظيفيّ، بل مسؤوليّةٌ علميّةٌ ثقيلة. حين تُمنَحُ بلا صرامةٍ، تُفرَغُ من معناها. وحين تُكدَّسُ بلا تخطيطٍ، تتحوّلُ إلى عبءٍ على صاحبِها وعلى البلد.
المشكلةُ ليست في كثرةِ الطامحين، بل في غيابِ الرؤية. لبنانُ الذي يعاني من هجرةِ العقولِ لا يحتاجُ إلى تضخيمِ الألقاب، بل إلى تعزيزِ النوعيّة، وربطِ البحثِ بخططٍ وطنيّةٍ واضحةٍ في التربيةِ والاقتصادِ والإدارةِ العامّةِ والتكنولوجيا والتنميةِ الاجتماعيّة.
الدكتوراه الحقيقيّةُ ليست ورقةً مُعلَّقةً على جدار، بل سؤالًا جديدًا أُضيفَ إلى المعرفة، وحلًّا جديدًا أُضيفَ إلى الواقع.
فهل نملكُ شجاعةَ الانتقالِ من ثقافةِ اللقبِ إلى ثقافةِ الأثر؟
الأكثر قراءة
الخليج العربي
3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي
3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
المشرق-العربي
3/6/2026 6:00:00 AM
إلى أي مدى تمتلك إيران القدرة العسكرية على إصابة هذا الموقع الحساس، وما التداعيات المحتملة إذا تعرّض المفاعل فعلاً لهجوم مباشر؟
المشرق-العربي
3/6/2026 11:36:00 AM
منذ بدء الحرب بهجوم أميركي-إسرائيلي مشترك على إيران يوم السبت، حضت الحكومات الأجنبية مواطنيها على مغادرة دول الشرق الأوسط
نبض