هل يتجاوز لبنان محنة الاختناق المروري وشوائب قطاع النقل؟

آراء 01-01-2026 | 06:00

هل يتجاوز لبنان محنة الاختناق المروري وشوائب قطاع النقل؟

حسناً يفعل القيّمون على قطاع النقل اليوم في مبادرتهم للسير في خطط لها طابع استراتيجي مستقبلي، لكن العِبرة في استكمال التنفيذ. 
هل يتجاوز لبنان محنة الاختناق المروري وشوائب قطاع النقل؟
لبنان عرف القطار قبل تأسيس الجمهورية، وعبرت من أراضيه سكك حديد خط الحجاز العثمانية، وبقيت تعمل طيلة فترة الانتداب الفرنسي وبعد الاستقلال الى أن وقعت الحرب الداخلية عام 1975
Smaller Bigger

في مسيرة تطور الشعوب وتقدُّم الدول، يبرز قطاع النقل على اختلافه كمؤشر يُبين منسوب النجاح ومستوى الفشل، كما تتأثر به بشكلٍ واسع حركة الاقتصاد بمساراتها الخدماتية والصناعية والتجارية والزراعية والسياحية.

 

ويينما كان شعار فلاديمير لينيين قائد الثورة البلشفية الكبرى عام1917 تأمين "النقل والكهرباء والسلام" جهدت الدول الكبرى – الأوروبية تحديداً - نحو توفير بُنى تحتية متقدمة لتوفير وسائل نقل حديثة ورخيصة وسريعة للمواطنيين وللمنتجات، بما في ذلك فتح القنوات المائية – قناة السويس على سبيل المثال- وتعبيد الطرقات الترابية وإنشاء السكك الحديدية الطويلة.

 

 

حتى يومنا هذا، مازالت القطارات، التي تسيرُ فوق الأرض أو التي تعبر في الأنفاق، هي الوسيلة الأنجع لنقل البضائع والركاب منذ إنشاء أول قطار بخاري عام سنة 1821. وتتسابق الشركات المُتخصصة على ابتكار أحدث أنواع العربات وأسرعها، خصوصاً بعد أن جرى استخدام الكهرباء والتكنولوجيا الحديثة في صناعتها.

 

ولبنان عرف القطار قبل تأسيس الجمهورية، وعبرت من أراضيه سكك حديد خط الحجاز العثمانية، وبقيت تعمل طوال فترة الانتداب الفرنسي، وبعد الاستقلال، إلى أن وقعت الحرب الداخلية عام 1975 فقضت على المحطات والخطوط، ودمّرت العربات، وحصلت اعتداءات واسعة على ممتلكات مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك التي أنشأها الرئيس فؤاد شهاب. لكن ذكرى إنجازات الخطوط التي كانت تحمل مئات الأطنان وآلاف الركاب ما زالت ماثلة في ذاكرة مُعاصريها.

المدير العام للمؤسسة العامة للنقل المشترك وسكك الحديد زياد شيّا متفائل في إعادة تفعيل القطارات واستخدامها مجدداً لإحياء الحراك الاقتصادي، وللتخفيف من حدّة أزمة النقل وازدحام الطرقات في لبنان، ولتُشكل رديفاً مساعداً لحركة الباصات الناشطة في داخل بيروت، وبينها وبين مدينة صور في الجنوب، ومدينة طرابلس في الشمال، وبلدة شتورة البقاعية، والمهيئة للتمدّد أكثر نحو مناطق جديدة. ويستند شيّا في تفاؤله إلى دعم رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الأشغال والنقل لخطته الواعدة، كذلك إلى مساندة فرنسا وقطر وإيطاليا للمشروع، عن طريق تقديم باصات جديدة ومنح هبات وقروض لتأهيل المحطات والقطارات.

لكن الرؤية والدعم الخارجي لا يكفيان وحدهما لوضع القطار على السكَّة، ولا بدّ من رافعة عملية داخلية ترصد الاعتمادات المالية المطلوبة، وتحمي الخطوات الآيلة لاستعادة الأملاك المصادرة أو المشغولة التابعة للمؤسسة، وأغلب المُصادرين والشاغلين يحظون بحماية سياسية أو أمنية. والغطاء العام للمشروع ضروري كي لا يصيبه ما أصاب خطة إنشاء الجسر المعلق فوق الأوزاعي أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث كسَّر متظاهرون محظيون تجهيزات ومعدات فريق عمل تنفيذ المشروع، مما اضطرّهم إلى مغادرة الموقع ، وبالتالي توقيف التنفيذ، وحصل ذلك بحجة سخيفة تقول إن بناء الجسر يعالج اختناق السير في الدخول والخروج من العاصمة نحو الجنوب والجبل، ولكنه يقطع برزق بعض تجار المفرق على جانبي الطريق، وتأمين مصدر رزق لهؤلاء كان مسألة بسيطة مقارنة بأهمية المشروع.

أمام لبنان تحديات وازنة، ولدى البلد المنكوب بعد الانهيار المالي ومن جراء العدوان الإسرائيلي مشكلات متنوعة ومتعددة، لكن ذلك لا يبرر التقاعس عن تنفيذ أعمال تأسيسية وإنقاذية كبرى، خصوصاً في المجال الاقتصادي والمالي؛ والاستمرار على وتيرة "هلق منمشِّي الحال ولاحقاً الله بيفرجها" لا تبني وطناً ولا تؤسس دولة عصرية وسط التطور الهائل الذي وصلت إليه البشرية. وأن يبقى لبنان رهينة بعض الراكضين خلف تولّي المراكز والطامحين لصرف تضحيات المنكوبين في مقاصة توسيع النفوذ السياسي، جريمة لم يعُد يجوز السكوت عليها، والفلتان الذي يُصيب شوارع بيروت وبعض المناطق الأخرى من جراء فوضى استعمال الدراجات النارية، قد تُسبب اضطرابات غير منتظرة إضافة إلى تكاليف علاج نتائج الحوادث المتكررة، الصحية وغير الصحية، برغم أن استعمال الدراجات النارية أو الهوائية، حق من حقوق الناس، وهي تقلّل من زحمة السير والاكتظاظ، لكن الفوضى التي يُمارس بها هذا الحق مدمّرة للمواطنيين وللدولة، وأصبح جزء من مستعملي الدراجات مصدراً للارتكابات المخلِّة بالأمن والمُسببة للحوادث وللقلق.

والتحديات المطروحة أمام لبنان لا تعفي المسؤولين من القيام بواجب تنظيم الدولة وعصرنتها، وهناك مبادرات واعدة تحصل في أكثر من مرفق. عندما أنشأ نابليون مجاري الصرف الصحي مطلع القرن التاسع عشر في باريس، والتي ما زالت تعمل حتى اليوم، اضطرّ إلى تهديم عدد كبير من الأبنية والعشوائيات، وكان يخوض حروباً خارجية ويغزو مصر، لكنه لم ينتظر حتى انتهاء مهام أخرى لا تنتهي - في أغلب الأحيان - عند الدول.

حسناً يفعل القيّمون على قطاع النقل اليوم في مبادرتهم للسير بخطط لها طابع استراتيجي مستقبلي، لكن العِبرة في استكمال التنفيذ. ولو قام أقرانهم في قطاع الكهرباء بواجباتهم خلال السنوات الماضية، لما وقع البلد في العتمة القاتمة. والجميع يدركون أن مهمة تنظيم السير وضبط الدراجات المتفلّته وتوقيف المواكب المُقزّزة، ليست مهمة وزارة الأشغال والمؤسسة العامة للنقل المشترك وسكك الحديد، بل تقع المسؤولية عن ذلك على أغلب القيادات والدوائر، ولا سيما الأمنية منها.

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 12/30/2025 8:12:00 PM
شقيق أبو عبيدة يكشف تفاصيل عن اشتباك خاضه الناطق السابق باسم القسام في شمال غزة
المشرق-العربي 12/31/2025 4:06:00 PM
قدّم مخلوف نفسه بصفته ناصحاً لا قائداً سياسياً، مستخدماً لغة دينية واضحة تميل إلى الوعظ وإلى ادّعاء امتلاك معرفة خاصة بما سيأتي.
لبنان 12/31/2025 2:43:00 PM
عريمط لا يزال يخضع للتحقيق في قضيّة "أبو عمر"
لبنان 12/31/2025 8:48:00 PM
بين واقع مضطرب وأسئلة مفتوحة، رسم ميشال حايك ملامح عام 2026 متحدثاً عن كائنات فضائية وذبذبات