ما بين فرط القوة والخوف، ربط المتطرّفون رأس الغالبية الإسرائيلية!

كتاب النهار 14-09-2026 | 05:10
ما بين فرط القوة والخوف، ربط المتطرّفون رأس الغالبية الإسرائيلية!

ليس سؤال الانتخابات الإسرائيلية من سيربح المقاعد؟ بل السؤال هل تشكّل انعطافاً يفك ربطة الرأس ليخرج كتلة هامة من النخب الإسرائيلية من شرنقة القوة والخوف؟

ما بين فرط القوة والخوف، ربط المتطرّفون رأس الغالبية الإسرائيلية!
قد يسقط نتنياهو، لكن دون خيار استراتيجي للسلام يبقى التشاؤم سائداً! (أ ف ب)
Smaller Bigger

من تراث حيّ الحريقة بدمشق القديمة، أن تاجراً استشار خبيراً لتسعير سجادة كاشانية نادرة. طمع الخبير في السجادة، لكنه لم يكن يملك ثمنها، فأعطى التاجر تقديراً خيالياً يجعل بيعها مستحيلاً! يومها قيل إن الخبير "ربط رأس التاجر"، لا بالقوة، بل بأن جعل الخوف من البيع المنصف ومن الخسارة تحكم عقله.

هذا بالضبط ما فعله إيتمار بن غفير من جهة، ويحيى السنوار من الجهة الأخرى: تخادما في ربط رأس مجتمعاتهما بمزيج من فرط القوة والخوف الوجودي، حتى صار التخلي عن المنطق الأمني الصفري يبدو للمربوط رأسهم أشد كلفة من أي سلم حقيقي في الإقليم.

في السابق بحث قادة كإشكول وإيبان وبن غوريون وبيريز وباراك وأولمرت بجدّ، عن مناخ سلمي إقليمي بوصفه شرطاً ضرورياً لازدهار التجربة الإسرائيلية نفسها، ولو من كان خيارهم منطق الردع لا الوفاق! لكن الخائف يخشى حتى أن يصافح خصمه، ولو كانت يده على الزناد.

بدأت هذه المعضلة يوم قرر العلمانيون والمعتدلون الإسرائيليون أن يتعايشوا، ويتواطأوا مع المسيانيين العقائديين المتطرفين ويخضعوا لابتزازهم الدائم، بل قدّموا لهم، في سبيل ذلك التعايش، كل ما يمكن من المغريات والرشى الاجتماعية ثم السياسية. بل لم يثنهم حتى مقتل رابين عن ذلك!

منذ التسعينيات، لم تعد إسرائيل تبحث عن أي سلام. لكنها تواجه الآن، أخطر لحظاتها منذ قيامها!

لم تعد إسرائيل 1948 هي ذاتها! فلقد حصلت تحولات حاسمة في المجتمع مع تغيّر ديموغرافي تدريجي: هجرة من أوروبا الشرقية وتكاثر المجتمعات المحافظة. ومع انهيار المشروع القومي العربي والاتحاد السوفياتي، ليتصاعد غرور القوة، ويصفو اليسار والوسط لصالح اليمين، إلى حدّ أن مفاوضين إسرائيليين باتوا يؤكدون لنا أن الجيل الشاب الجديد "ما عاد يجد حاجة إلى السلام، فلماذا يقدّم أيّ تنازل؟".

كان ذلك انعطافاً عميقاً في رؤية إسرائيل لحقيقة وجودها في الإقليم، وبدل البحث عن مناخ سلمي، استسلمت لمنطق تحصين القلعة وتوسيع أسوارها، مقابل إضعاف محيطها الاستراتيجي والمراهنة على التخادم والتعايش مع تطرف المقابل.

بقي كلاهما يراهن على الحلّ الصفري، ووجد كلاهما في تطرّف الآخر تبريراً لمزيد من التحصين والاستقطاب. وتجلى ذلك في شق السلطة الفلسطينية ودعم تجربة حماس مقابل إجهاض بديلها المعتدل، ثم الحرب الباردة مع إيران في سوريا ولبنان، ليسود منطق القلعة المحاصرة، والحاجة لتوسيع المجال الجغرافي، واستحال العيش مع المحيط بلا أسوار أعلى وأثقل.

بل ذهبت نخب إسرائيلية، وعلى رأسها نتنياهو، إلى الحديث عن ضرورة تنويع التحالفات مع روسيا وأوروبا الشرقية والصين، إلى حدّ احتاجت فيه واشنطن نفسها إلى تذكير تل أبيب بمخاطر مشاركة منافسيها بالدخول إلى صلب المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

ثم جاء السابع من أكتوبر تكريساً لهذا التخادم غير المعلن مع التطرف. وثُقبت نظرية السور بوسائل بدائية هائجة، وتشكّل مزيج سام من الخوف والحصار والقوة المفرطة. وبدل أن تحصل مراجعة ذاتية تعيد النظر في نظرية القلعة المعزولة وفي التعايش مع التطرف وإجهاض كل اعتدال في الخندق المقابل، أمعنت الحكومة الإسرائيلية في المنطق الصفري ذاته.

كان ذلك حتى انفجرت الحرب على إيران، لتكتشف إسرائيل عالماً جديداً تماماً: لا هي قادرة على التخلي عن غطاء واشنطن والبحث عن بديل له، ولا هي قادرة على حسم الصراع بتهجير الفلسطينيين. وفيما تنكفئ أميركا نفسها على استراتيجيتها الإقليمية الخاصة، تكتشف إسرائيل متأخرة أنه حتى ترامب، الذي واكبها حتى آخر أهدافها، بدأ يجد فيها عبئاً على مشاريعه؛ بل تفاقمت أزمتها الديبلوماسية حتى تبخرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بشكل شبه كامل.

بل هي تقترب، بالانتصارات المتراكمة، وفرط قوتها المترافقة بنقص الحكمة، من نصر بيروس: الملك الذي أفنته انتصاراته قبل أن تُفنيه هزيمة واحدة.

بل، بغضّ النظر عن المشروع النووي الإيراني، الذي لا تملك حتى أميركا تصوّراً جدّياً عن مصيره، تنمو حول إسرائيل، كالفطر، مخاطر لا تحتاج إلى مفاعل ولا يورانيوم مخصّب: مسيّرة بثمن هاتف نقال، وصاروخ موجَّه بدقة كافية.

لحظة الانتخابات هي لحظة يوضع فيها عقلها الجمعي على المحك، عشية انتخابات قد تُطيح نتنياهو، ولكني أشك في أن تُطيح المعضلة التي أورثها للبلاد. ليس سؤال الانتخابات الإسرائيلية من سيربح المقاعد؟ بل السؤال: هل تشكّل انعطافاً يفك ربطة الرأس ليخرج كتلة هامة من النخب الإسرائيلية من شرنقة القوة والخوف؟

رغم العمق الثقافي للشعب الإسرائيلي، فإن ما يدعوني للتشاؤم، أن تجري هذه الانتخابات وسط جرعة هائلة من الانتهازية في صفوف النخب السياسية. بل يخشى منافسو نتنياهو، حتى ولو كذباً، الحديثَ عن سلام إقليمي، فيما يبحث كثير منهم، في الخفاء، عن جوازات سفر أجنبية بديلة.

فيا لسخف نخبة تخشى كلمة "سلام" أكثر مما تخشى الصواريخ!

في عصر التحول الأميركي عن ضمانات الأمن التقليدية، تنتشر هذه المخاطر كالفطر، فلا يكفي رفع الأسوار لتحصين القلعة القديمة، ولن تكون القلعة، في أي حال، بديلاً من مناخ إقليمي آمن. لا الأسوار تحمي ولا التقنية تمنح الحصانة لتعوّض غياب السلام.

حين اقترب إسحق رابين من السلام قائلاً "مقدَّر لهم أن يعيشوا معاً على التراب نفسه والأرض نفسها"، اغتاله متطرف. لم تتعب النخب الإسرائيلية نفسها في تعلم العبرة.

القضاء على التطرف، على جانبي الصراع، ليس عملاً انتقامياً، بل هو ذاته العمل من أجل السلام؛ فمن دون تفكيك المشروعين المسيانيين المتقابلين معاً، تبقى إسرائيل ذاتها رهينة الجزء الأكثر بؤساً في شرق أوسط بائس، وبدورها تبقى المنطقة بأسرها رهينة إسرائيل التي لم تحسم صورة ذاتها.

حتى لو سقط نتنياهو غداً، يجعلني ذلك الغياب الحقيقي لجيل قيادي بديل، وبوجود نخب لم تدرك بعد رباط الخوف وعنجهية القوة علي رأسها، متشائماً. ومثلها مثل قادة حماس، تنافق مهما كانت الكلفة ولا تجرؤ على مجابهة جمهورها بحقائق الصراع.

إن كانت إسرائيل لا تزال تريد الازدهار في عالم متحوّل وسوق شرق أوسطية سائلة، فستكون خيارات الانتخابات وما بعدها حكماً مصيرياً.

فمهما علا ثمن السجادة تبقى عرضة للتلف حتى لو كانت في قبو عميق في قعر قلعة محصنة.

وكالعادة، آمل أن أكون مخطئاً!