في عبث الهَجَري!
نقد لتصريحات حكمت الهَجَري وعبثه بذاكرة الموحدين الدروز وتاريخهم السياسي والاجتماعي في ظل الصراعات الإقليمية المعاصرة.
يتباهى الشيخ الموحد باعتماره عمامة بيضاء ناصعة، ويفدي بياضها بروحه، فأي مذمة تترك فيها أثراً يصعب إزالته. لكن، ما يسعنا أن نقول في تحفة الشيخ حكمت الهَجَري الأخيرة، وهي آيةٌ في قبح المقال: "نِحْنا كموحّدين دروز جزء لا يتجزّأ من دولة إسرائيل، فهي دولة حضارة وقانون"... إلى آخر المعزوفة؟ أعترف أنني مجبرٌ لا بطل على استعمال صفة "الشيخ"، وأن أرضى بعمامته حاجزاً بين وبين ذمه، إلى حين. لكن عمامة الموحد البيضاء شرفٌ، ولا تمنح معتمرها حقّاً في العبث بذاكرة جماعة لمقتضيات السياسة وموازين القوة وحسابات اللحظة الخاطئة.
ليس كلام الهَجَري هذا زلّة لسان. فالمقطع المصوّر متداول يُظهره متحدثاً حتى عن اشتراك "في العقيدة"، وعن إسرائيل "دولة مؤسسات وعلم وحضارة". هنا تحديداً تبدأ المشكلة. إسرائيل دولة أُعلنت في 1948، فيما التوحيد سابق لها بقرون. و"باشان" التي يستحضرها الهَجَري أقدم من الصهيونية وإسرائيل والحدود السياسية الحديثة جميعاً، ولا يمكنه تحويل الجغرافيا القديمة إلى سند ملكية سياسية يتأبطها عبثاً.
الأشد غرابة أن هذا الكلام يصدر من جبل العرب، واسمه الراسخ في التاريخ الحديث جبل سلطان باشا الأطرش. حين أرادت فرنسا أن تصنع من هذا الجبل كياناً منفصلاً عن سوريا، لم يجد الباشا في المشروع "حماية للأقلية"، ولم يرَ في الانفصال فرصة تاريخية، فرفض عرضاً فرنسياً لحكم "دولة جبل الدروز"، وقاد الثورة السورية الكبرى في 1925 صائحاً: "الدين لله والوطن للجميع". وبعد مئة عام، يخرج الهَجَري ليخبر الموحدين أنفسهم أنهم تاريخياً "جزء من دولة قامت بعدهم بزمن طويل"، وجزء من دولة ليس في سجلها إلا المجازر... من دير ياسين إلى غزة.
في فلسطين، لا تبدأ الحكاية من تجنيد الموحدين الدروز في الجيش الإسرائيلي كما يحلو للبعض اختصارها. فالتاريخ أشد تعقيداً، وولا يجوز تزويره. قسم من دروز فلسطين اندمج لاحقاً في مؤسسات الدولة الإسرائيلية، وهذه حقيقة. لكن ثمة حقيقة أخرى لا تقل وضوحاً: في نكبة 1948 دخل نحو 500 مقاتل موحد من جبل العرب فلسطين ضمن جيش الإنقاذ بقيادة شكيب وهاب، وخاضوا معارك بينها هوشة والكساير، وانضم إليهم دروز فلسطينيون. وسلطان باشا نفسه دعا يومها إلى لمّ جيش عربي موحد، وسقط عشرات المتطوعين الموحدين في حرب فلسطين. وحين زار وفد من دروز فلسطين سلطان باشا في العام نفسه يسأله عن مغادرتهم قراهم خشية الحرب، أصرّ عليهم أن يبقوا وألا يتحولوا إلى لاجئين. تقاطعت هذه الدعوة مع موقف الأمير مجيد أرسلان وكمال بك جنبلاط وشيخ العقل محمد أبو شقرا الداعي إلى التشبث بالأرض وعدم الرحيل. هذه كانت العقيدة السياسية لتلك القامات: "الأرض لا تُترك، ووطن لا يُجزّأ، وطائفة لا تتحول إلى حرس حدود".

قد يختلف اللبنانيون على كمال جنبلاط، لكن يصعب العثور في سيرته السياسية على قابلية لمشروع دولة درزية. فقد كان مشروعه عابراً لفكرة "الكانتون الدرزي"، وربط موقع الموحدين بلبنان العربي وبالصراع السياسي الأوسع، ورفض مشاريع التقسيم التي برزت خلال الحرب اللبنانية. وكان الأمير مجيد أرسلان، على اختلاف المدرسة السياسية بينه وبين جنبلاط، يقف في المسألة الوطنية الكبرى على الضفة ذاتها: لا اقتلاع لدروز فلسطين من أرضهم، ولا تحويل الموحدين إلى جماعة تبحث عن وطن بديل.
حتى الجولان السوري نفسه يهدم رواية الهَجَري. فبعد فرض إسرائيل قانونها على الجولان المحتل في 1981، خرج موحدوه في إضرابات واسعة ورفضوا الهوية الإسرائيلية. وفي شباط/فبراير 1982 تحول الاعتراض إلى عصيان مدني وإضراب عام. وحتى المصادر الإسرائيلية المعاصرة لتلك الأحداث سجلت أن الأغلبية الساحقة من دروز الجولان اعتبروا أنفسهم سوريين ورفضوا الضم. فأين تقع عبارة "نحن تاريخياً جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل" في ذلك كله؟ في أي صفحة من هذا التاريخ؟ إنها صفحة جديدة يريد حكمت الهَجَري أن يكتبها باسمه، وهذا حقه السياسي إن شاء، فيستطيع أن يختار إسرائيل حليفاً، وأن يعادي حكومة دمشق، وأن يطالب بالفيدرالية أو الاستقلال أو حتى بالانضمام إلى إسرائيل، ويتحمل مسؤولية قوله أمام السوريين والدروز والتاريخ. لكن ما لا يملكه هو أن يقول لنا إن هذا "تاريخ الدروز". فالتاريخ ليس ملكه، ولا يصبح الموقف وطنياً لأن صاحبه يعتمر عمامة. إن مشروع السويداء الذي يرفع راية الانفصال لا يزال يطلب من دمشق الرواتب والخدمات، فيما تتحدث مصادر من داخل المحافظة عن وعود بالاستقلال والالتحاق بإسرائيل لم تتحقق. فأي استقلال هذا الذي يريد خزينة دمشق لكنه لا يريد دمشق؟
قد يكون للهَجَري خلاف عميق ومشروع مع السلطة السورية الجديدة، وقد تكون لموحدي السويداء مخاوف حقيقية تستحق الضمان والحماية والمساءلة، ولا يجوز لأحد التقليل من وطأتها. لكن حماية الجماعة أمر، وتحويل الجماعة إلى مادة في خرائط الآخرين أمر آخر تماماً. فالموحدون ما احتاجوا يوماً إلى دولة طائفية ليكونوا كباراً. كانوا كباراً حين أراد سلطان باشا سوريا أكبر من جبل العرب، وحين أراد كمال جنبلاط لبنان أكبر من طوائفه، وحين رأى مجيد أرسلان فلسطين أرضاً يجب أن يتشبث أهلها بها.
حكمت الهَجَري لا يُخالف رأياً سياسياً، إنه يخاصم ذاكرة ويزور تاريخاً. إنه يلطخ عمامةً ناصعةً بترهات العمالة. فليخلعها فوراً.
نبض