هل الدّيموقراطية تمنع الحروب أم تدفع إليها؟

كتاب النهار 25-08-2026 | 04:15

هل الدّيموقراطية تمنع الحروب أم تدفع إليها؟

ليست الديموقراطية وحدها ضمانة للسلام، وليست الدكتاتورية ضمانة للاستقرار، ولا حكم الكفاءة وصفة سحرية. المسألة الأهم هي وجود مؤسسات تستطيع كبح القرار عندما يتحول الخوف إلى سياسة...

هل الدّيموقراطية تمنع الحروب أم تدفع إليها؟
أي نظام يضع أمام القائد حواجز قبل أن يرسل الناس إلى الحرب؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

عند مشاهدة الصورة الأوسع لما يدور حولنا، يبرز سؤال قد يبدو مستفزاً: هل الديموقراطية تمنع الحروب فعلاً، أم أنها في ظروف معينة تهيئ الذهاب إليها؟

 

السؤال لا يحتمل جواباً مدرسياً من نوع أن الديموقراطيات مسالمة، وأن الدكتاتوريات عدوانية. التاريخ أكثر تعقيداً، والسياسة عندما تدخلها صناديق الاقتراع أو شهوة البقاء في الحكم، تصبح أكثر تعقيداً. مع اعترافي بأن المفهوم غامض أساساً، والمقصود هو صعود القيادة من خلال انتخابات حرة!

لنأخذ إسرائيل؛ هي مقبلة على انتخابات يصفها كثير من المتابعين بأنها مفصلية. وفي أي نظام انتخابي، يسعى المتنافس إلى التقاط مزاج الأغلبية، وتلبية حاجاتها، وأحياناً مخاوفها أيضاً. المشكلة تبدأ عندما يكون الخوف هو السلعة السياسية الأكثر رواجاً.

جزء كبير من المجتمع الإسرائيلي يعيش هاجس الأمن والخوف من الجوار. هنا يصبح السياسي الأكثر تشدداً قادراً على تقديم نفسه باعتباره الأكثر قدرة على الحماية. بنيامين نتنياهو يعرف هذه المعادلة جيداً، ولذلك يستخدم لغة قاطعة من نوع: لا "حماسستان" ولا "فتحستان" ما دمت رئيساً للوزراء. العبارة ليست موقفاً أمنياً وحسب، إنها أيضاً رسالة انتخابية إلى جمهور يريد أن يسمع أن الخطر محاصر، وأن الرجل القوي موجود. والمزايدة لا تبقى في الداخل، فقد وصف بريطانيا بأنها "المملكة المتحدة الإسلامية" فقط لأنها اعترضت سياسياً على حكومته!

الديموقراطية هنا لا تصنع الحرب بالضرورة، لكنها قد تجعل الخوف وقوداً انتخابياً. وعندها يصبح التشدد طريقاً إلى الصندوق، قد يجد السياسي مصلحة في تضخيم الأزمة بدلاً من علاج أسبابها.

نذهب إلى الولايات المتحدة، أقدم الديموقراطيات الحديثة وأكثرها تأثيراً. هناك أيضاً نرى استثماراً سياسياً واسعاً في الخوف: الخوف من المهاجر، ومن الآخر المختلف، ومن فقدان الوظيفة، ومن أن يحصل القادم الجديد على نصيب يعتقد المواطن أنه أولى به. دونالد ترامب لم يخترع تلك المخاوف، لكنه عرف كيف يجمعها ويحولها إلى قوة انتخابية. وهكذا تستطيع الديموقراطية، إذا ضعفت الثقافة السياسية العقلانية، أن تكافئ من يرفع مستوى القلق بدلاً من الذي يخفضه.

لكن هل البديل هو الدكتاتورية؟ بالتأكيد لا. فلاديمير بوتين لم يحتج إلى إقناع ناخبين أحرار، قبل أن يدخل حرب أوكرانيا. التقدير الأولي كان أن العملية العسكرية ستكون قصيرة، وأن كييف، عاصمة أوكرانيا، قد تسقط سريعاً. مرت أكثر من أربع سنوات، والحرب مستمرة، والخسائر البشرية والاقتصادية هائلة. في النظام المغلق يستطيع القائد أن يخطئ خطأً تاريخياً، ثم يمنع المجتمع من محاسبته على الخطأ.

والدكتاتورية ليست شكلاً واحداً. قد تكون علمانية كما في روسيا، وقد ترتدي لباساً دينياً كما في إيران. المشترك بينهما تضييق مساحة المحاسبة. عندما تهدر الأموال، أو تتراجع معيشة الناس، وينتشر القمع، تتوسع دائرة المغامرات الخارجية، لا آلية حقيقية يستطيع المواطن من خلالها أن يقول: كفى. وحتى الصوت الخافت قد يدفع صاحبه ثمناً باهظاً.

يبقى نموذج ثالث يستحق التأمل، وهو ما يسمى في بعض الأدبيات حكم الجدارة أو الكفاءة. الصين تقدم المثال الأوضح. القائد هناك لا يصل عادة من قفزة شعبوية مفاجئة، بل يصعد داخل مؤسسة سياسية عبر سنوات من العمل والاختبار والترقي. لهذا النظام عيوبه المعروفة، وفي مقدمتها ضعف المشاركة السياسية والحريات، لكنه أنتج حتى الآن قيادة أكثر حذراً في الدخول المباشر في الحروب الكبرى، لأنها تحسب الكلفة بمنطق طويل المدى.

ليس معنى ذلك أن الصين محصنة ضد المغامرة، ولا أن نظامها هو النموذج المطلوب. المقصود فقط أن طريقة اختيار القيادة تؤثر في طريقة حساب الحرب والسلام.

نحن اليوم أمام عالم شديد الخطورة والتعقيد، والشرق الأوسط في قلب الخطر. غزة، ولبنان، وإيران، والسودان، ومناطق أخرى تقف على حافة اقتتال جديد. والمفارقة أن كل طرف تقريباً يقول إنه يدافع عن الوطن، بينما المواطن نفسه هو الذي يدفع الفاتورة: قتلى، وخراباً، وفقراً، ونزوحاً، وأجيالاً تحمل آثار الحرب سنوات طويلة.

وهنا تظهر مفارقة؛ الناخب في الديموقراطية يستطيع إسقاط الحاكم، لكن الحاكم يستطيع أن يؤثر فيه بالخوف، وأن يقنعه بأن المعركة ليست بين برامج، بل بين البقاء والزوال. عندئذ تتراجع الأسئلة عن التعليم والصحة والاقتصاد، ويتقدم الأمن. وكلما ارتفعت نسبة الخوف، ارتفعت أسهم السياسي الذي يعد الناس بالحماية. لذلك لا يكفي صندوق الاقتراع كي يصبح قرار الحرب عقلانياً.

في المقابل، الدكتاتور لا يحتاج إلى أغلبية، لكنه يحتاج إلى رواية. يقول إن الوطن محاصر، وإن المؤامرة كبيرة، وإن الاعتراض خيانة. ثم تتحول وسائل الإعلام إلى أدوات لتأكيد الرواية. وقد تكون النتيجة واحدة: الديموقراطي يستثمر خوف الجمهور كي يبقى، والدكتاتور يفرض الخوف على الجمهور كي يبقى.

لذلك فالسؤال الأدق: أي نظام يضع أمام القائد حواجز قبل أن يرسل الناس إلى الحرب؟ البرلمان الحر حاجز، والصحافة الحرة حاجز، والقضاء المستقل حاجز، والمعلومات الصحيحة حاجز، وكذلك النخبة القادرة على قول "لا" عندما يندفع الشارع وراء الانفعال.

إذاً، ليست الديموقراطية وحدها ضمانة للسلام، وليست الديكتاتورية ضمانة للاستقرار، ولا حكم الكفاءة وصفة سحرية. المسألة الأهم هي وجود مؤسسات تستطيع كبح القرار عندما يتحول الخوف إلى سياسة، والطموح الشخصي إلى مشروع دولة ، وذلك لن يتم إلا من خلال ثقافة مجتمعية ترسخ قيم المساءلة, بعض المجتمعات لم تولد فيها تلك القيم! الحرب تبدأ غالباً عندما يفقد المجتمع قدرته على محاسبة من يدعوه إليها.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/24/2026 7:09:00 PM
هيئة الإعلام حولت الدكتور خليل الزيود إلى النائب العام على خلفية مقطع الفيديو.
كتاب النهار 8/24/2026 5:34:00 AM
الهدف الذي تريده أميركا، هو إنهاء "حزب الله"، أو أقله إضعافه بحيث لا يبقى مقرراً في البلاد.
اقتصاد وأعمال 8/24/2026 5:45:00 AM
على خط مواز لتوسعة مطار بيروت، يجري بحث خيار الافادة من مطار القليعات لاستقبال ونقل المسافرين السوريين.
مجتمع 8/24/2026 9:55:00 AM
قوى الأمن الداخلي توقف متورطين في شبكة دعارة في عدد من المناطق اللبنانية