أيزنكوت... أصلح للبنان وأخطر على "حزب الله"!

كتاب النهار 22-08-2026 | 06:28
أيزنكوت... أصلح للبنان وأخطر على "حزب الله"!

تقديم أيزنكوت باعتباره أقل تشدداً تجاه "حزب الله" سيكون مضللاً. هو ليس أقل تشدداً في تقدير الخطر الذي يمثله الحزب، لكنه قد يكون أكثر انضباطاً في تحديد متى تستخدم إسرائيل القوة...

أيزنكوت... أصلح للبنان وأخطر على "حزب الله"!
نتنياهو يميل إلى إبقاء هامش العمل العسكري الإسرائيلي (أ ف ب)
Smaller Bigger

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يبرز غادي أيزنكوت كأحد أبرز الأسماء القادرة على منافسة بنيامين نتنياهو على رئاسة الحكومة.

البعض يهلّل ويراهن، لكن قراءة أيزنكوت من زاوية لبنان تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فهذا ليس جنرالاً مسالماً تجاه "حزب الله"، ولا رجل تسويات بلا شروط، بل عسكري صلب قد يختلف مع نتنياهو أساساً في كيفية استخدام القوة وتوقيتها والنتيجة السياسية التي ينبغي أن تفضي إليها.

وهنا تكمن المفارقة: قد يكون وصول أيزنكوت إلى رئاسة الحكومة مهماً للدولة اللبنانية، وفي الوقت نفسه أكثر خطورة على "حزب الله".

وأيزنكوت ليس وافداً جديداً إلى الجبهة اللبنانية. خدم في لواء غولاني، وشارك في حرب لبنان عام 1982، ثم أمضى قسماً مهماً من مسيرته العسكرية في الجبهة الشمالية. وبعد حرب تموز/ يوليو 2006، تولى قيادة المنطقة الشمالية، حيث عمل على إعادة بناء قدرات الجيش الإسرائيلي واستخلاص دروس الحرب في مواجهة "حزب الله".

ركز أيزنكوت على الاستخبارات والاستعداد للقتال البري ومواجهة الصواريخ والتسلل وتحسين قدرة الجيش على العمل في الأراضي اللبنانية. وخلال قيادته للمنطقة الشمالية، حافظت الحدود على مستوى مرتفع من الردع والهدوء، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى رئاسة الأركان... لكن هذا التاريخ يحمل جانباً أكثر تشدداً لا يجوز إغفاله.

ارتبط اسم أيزنكوت بما عُرف لاحقاً بـ«عقيدة الضاحية»، وهي مقاربة عسكرية إسرائيلية تطورت بعد حرب تموز 2006، وتقوم على التعامل مع المناطق والبنى التحتية التي يستخدمها "حزب الله" في إدارة عملياته باعتبارها جزءاً من منظومته العسكرية، وبالتالي استهدافها بقوة كبيرة في أي مواجهة مقبلة.

وترتكز هذه المقاربة على رفع كلفة الحرب على الحزب والبيئة التي يعمل فيها، بهدف تعزيز الردع ومنع تكرار تجربة حرب تموز.

لذلك، فإن تقديم أيزنكوت باعتباره أقل تشدداً تجاه "حزب الله" سيكون مضللاً. هو ليس أقل تشدداً في تقدير الخطر الذي يمثله الحزب، لكنه قد يكون أكثر انضباطاً في تحديد متى تستخدم إسرائيل القوة، ولماذا، وإلى أين تريد أن تصل بها.

أبرز مثال على ذلك جاء بعد «طوفان الأقصى». في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فتح "حزب الله" جبهة الشمال دعماً لغزة. وفي الأيام التالية، ناقشت القيادة الإسرائيلية إمكانية توجيه ضربة واسعة إلى الحزب والمبادرة إلى حرب شاملة مع لبنان.

أيزنكوت، الذي انضم إلى حكومة الحرب إلى جانب بني غانتس، عارض المبادرة إلى حرب شاملة مع "حزب الله" في ذلك التوقيت. واعتبر لاحقاً أن مهاجمة الحزب في تلك اللحظة كانت ستكون خطأً استراتيجياً كبيراً، لأنها كانت ستوسع الحرب من غزة إلى لبنان، وربما إلى إيران وسائر مكونات المحور.

لم يكن ذلك دفاعاً عن "حزب الله"، بل تقديراً عسكرياً. إسرائيل كانت قد تعرضت في 7 تشرين الأول لضربة استراتيجية غير مسبوقة، ولم يكن من المنطقي، في رأيه، أن تفتح في الوقت نفسه جبهة ثانية ضخمة قبل تحديد أهدافها وقدرتها على إنهائها.

وهنا تظهر إحدى سمات أيزنكوت بوضوح: هو لا يرفض استخدام القوة، لكنه يرفض استخدامها من دون هدف استراتيجي واضح.

ومع استمرار جبهة الشمال، أصبح أكثر انتقاداً للحكومة بسبب غياب أهداف استراتيجية واضحة في لبنان. فإبقاء عشرات الآلاف من الإسرائيليين خارج مستوطناتهم الشمالية، مع استمرار التبادل العسكري، لا يمكن أن يشكل استراتيجية دائمة.

وهنا قد يكون الفرق الحقيقي بينه وبين نتنياهو؛ نتنياهو يميل إلى إبقاء هامش العمل العسكري الإسرائيلي واسعاً وربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح "حزب الله" بالكامل، الأمر الذي يجعل المسار السياسي معرضاً للجمود.

أما أيزنكوت، إذا انتقل إلى رئاسة الحكومة، فقد يكون أكثر استعداداً لتحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى صفقة أمنية وسياسية: انسحاب إسرائيلي، انتشار للجيش اللبناني، آلية تحقق، وضمانات أمنية، مقابل إنهاء القدرة العسكرية المستقلة ل"حزب الله".

وهذه ربما تكون النقطة الأهم في قراءة أيزنكوت بالنسبة إلى لبنان. فالفارق بالنسبة إلى بيروت قد لا يكون فقط في حجم الضغط العسكري الإسرائيلي، بل في الجهة التي تريد إسرائيل التفاوض معها. هل تتعامل إسرائيل مع لبنان بوصفه دولة مسؤولة عن أمن حدودها، أم مع "حزب الله" بوصفه القوة التي تمسك بالقرار العسكري؟

إذا كان أيزنكوت أكثر استعداداً لبناء ترتيبات مع مؤسسات الدولة اللبنانية، فإن ذلك قد يفتح مجالاً أمام إعادة الاعتبار للدولة في معادلة الجنوب.

لكن هذا لن يكون مجانياً. فالثمن الإسرائيلي المرجح سيكون واضحاً: إنهاء القدرة العسكرية المستقلة لحزب الله وإخضاع السلاح للسلطة اللبنانية.