الأرض مقابل السلاح (3) واليونيفيل أيضاً
تتصاعد الحملة النيابية المنشأ الداعية إلى الإبقاء على قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، وتتزامن هذه الحملة مع خطوات عملانية تتخذها هذه القوة للإخلاء التدريجي لمراكزها وتسليمها إلى الجيش اللبناني، تنفيذًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790 الذي قضى بتمديد ولايتها للمرة الأخيرة حتى نهاية العام الحالي، وبأن يبدأ خفض قوامها وانسحابها بشكل منظم وآمن اعتبارا من ذلك التاريخ وفي غضون سنة واحدة، أي حتى نهاية العام 2027.
الأسباب الموجبة للحملة والعريضة النيابية الموقعة من 86 نائبًا، هي من نوع عدم ترك الجنوب فريسة للاحتلال والحؤول دون استفراد إسرائيل بلبنان واستمرار الحاجة إلى تطبيق القرار 1701 وغيرها. وهي أسباب وجيهة في ظاهرها، ولكنها يجب ألّا تمنع قراءة الأمور من منظار التبدّل الكبير الذي حصل بين العام 2006 واليوم وتبيان الحقائق بعد ثبوت فشل تلك المهمة الدولية فشلًا ذريعًا.
انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في أيار 2000 كان يفترض أن يشكّل نهاية الاحتلال وبداية استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها عبر انتشار فاعل للجيش وعودة الدولة وحدها صاحبة الأرض والسلاح والقرار، وكان يُفترض أن يترتّب على ذلك قانونًا استعادة مسار اتفاقية الهدنة لعام 1949 والآليات الدولية المنشأة لمراقبتها.
الدولة لم تكن صاحبة القرار آنذاك بل نظام الأسد الذي قضت مصالحه الإقليمية، المتقاطعة مع مصالح إيران، بإبقاء الجنوب خارج الدولة للاحتفاظ بورقة إزعاج الولايات المتحدة عبر حليفتها. واستمرت اليونيفيل بعدما كان يفترض أن يؤدي الانسحاب الإسرائيلي إلى انتفاء الأسباب الواقعية لاستمرار مهمتها. ومنذ ذلك الحين لم يتوقف لبنان عن دفع الأثمان الغالية المترتبة على وجود شكلي لليونيفيل والجيش، واستمرار السلاح خارج الدولة تحت عنوان المقاومة لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، ولكن دون القيام بأي نشاط "مقاوم".
في العام 2006 لم يمنع وجود اليونيفيل حصول عملية الخطف كما لم يمنع الحرب التي شنتها إسرائيل وعودة الاحتلال. وجاء القرار 1701 ليقول بالانسحاب الفوري وبعدم وجود أي سلاح بين نهر الليطاني والخط الأزرق إلا للدولة اللبنانية واليونيفيل التي جرى تعزيزها عدداً وعتاداً وصلاحيات. ثم مضت عشرون سنة، نشأت خلالها وتضخمت في تلك المنطقة بنية عسكرية هائلة خارج الدولة. وكانت اليونيفيل موجودة وشاهدة ترفع التقارير أو تغض الطرف، ولكن النتيجة كانت كارثية على لبنان. إذ عادت الحرب وعاد الاحتلال وارتكب ولا يزال فظائع إبادة القرى والمدن.
المشكلة أن اليونيفيل تحولت مع الوقت، موضوعياً لا اتهاماً، إلى جزء من المعادلة القاتلة التي استقرت في الجنوب والمتمثلة بالاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية، مقابل السلاح الذي يرفع شعار المقاومة، وبين هذا وذاك قوة دولية عاجزة عن إنهاء أي منهما. لا بل بات كل عنصر من هذه العناصر يسهم في تبرير استمرار العنصر الآخر، بما في ذلك اليونيفيل.
اليوم وُلدت مع اتفاق الإطار الثلاثي معادلة جديدة هي "الأرض مقابل السلاح"، وهي تشكّل نافذة حقيقية لإنهاء هذا الوضع لأنها وللمرة الأولى لا تفصل ما لا يجوز فصله. والتطبيق عبر المناطق النموذجية يفترض أن يتم بالتزامن والتلازم بين الانسحاب والتفكيك.
هذا التلازم يجب أن ينسحب حكماً على اليونيفيل لأن الاتفاق يرمي إلى إنهاء الوضع الذي نشأت واستمرت بسببه، وانتهاء مهمتها يكون نتيجة طبيعية لنجاحه. إذ يفترض أن تزول مع زوال الاحتلال والسلاح.
لذلك فإن التمسّك بها والعمل على إبقائها تحسباً لبقاء الاحتلال أو السلاح، يثير شكوكًا حول اتفاق الإطار ورغبة كامنة ربما في عدم تنفيذه.
نبض