متلازمة أبوظبي!
إفريقيا التي انتزعت قرارها من نخاع الوصاية الأجنبية، لم يعد امتحانها فيمن تختار، بل فيمن يتقبل اختياراتها؛ وأبوظبي التي حلّقت بشراكاتها فوق السقف الذي رسمته خرائط القوة القديمة، لم تعد تحتاج إلى من يمنحها مكاناً في الصف الأول.
خرجت فرنسا من ثكناتها الإفريقية، لا من ذاكرة القارة. فمن مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد إلى السنغال، تراجعت مظاهر الوجود العسكري الفرنسي، فيما أخذت إفريقيا تستعيد حقاً طال انتزاعه: أن تعيد تعريف من يدخل أرضها، ولماذا، وبأي شروط؟ وفي "أجندة 2063" لم تكتب القارة نفسها كجغرافيا تنتظر وصياً، بل كإفريقيا "قوية، موحدة، مرنة ومؤثرة"، تريد تقرير مصيرها، وإعادة توجيه شراكاتها نحو أولوياتها، وتقليل اعتمادها على المساعدات.
ثم، وسط هذا المشهد، يقال إن إفريقيا التي أغلقت أبواب الوصاية أصبحت مستعمرة إماراتية! كأن القارة التي أخرجت المستعمر من الباب، تركت مفتاح إرادتها على الطاولة. إفريقيا لا تنتقل من باريس إلى أبوظبي؛ إفريقيا تنتقل من زمن الوصاية إلى زمن الاختيار. ومن يصف اختيارها شراكة جديدة بأنه تبعية، لا ينتقص من الإمارات بقدر ما ينتقص من إفريقيا؛ لأنه يفترض أن الأفارقة لا يختارون، بل يُختار لهم، ومفهوم المفعول به عوضاً عن الفاعل، يحتاج إلى إنقلاب على عنصرية النظرة إلى القارة السمراء.
نعم، للإمارات حضور واسع في القارة، واستثمارات في الموانئ والطاقة واللوجستيات والزراعة والتعدين، ونفوذ اقتصادي وتنموي متنام. وقد أعلنت الإمارات التزامات تجاوزت 110 مليارات دولار لمشروعات إفريقية بين 2019 و2023، منها نحو 70 ملياراً للطاقة المتجددة والتنمية. لكن لنعد إلى اللغة، فاللغة أحياناً تحاكم السياسة قبل الوقائع: النفوذ ليس سيطرة، والتأثير ليس وصاية، والحضور ليس هيمنة، والشراكة ليست تبعية، والمصلحة ليست إمبريالية. فأين الدليل الذي ينقلنا من الأولى إلى الأخيرة؟
ولنضع المرآة أمام السؤال. اليابان بنت في إفريقيا الموانئ والممرات والسكك والطاقة والاتصالات، ومولت البنية التحتية ونقلت التكنولوجيا ودربت الكفاءات عبر شراكاتها مع الحكومات والمؤسسات الإفريقية؛ فلنلقِ نظرة على خطط "تيكاد" اليابانية، فلماذا لا يصبح الميناء الياباني دليلاً على إمبريالية يابانية في إفريقيا، بينما يكفي الميناء نفسه، حين يكون إماراتياً، ليُقرأ بوصفه مشروع هيمنة؟
وليست اليابان استثناء؛ فالنموذج نفسه حاضر بدرجات مختلفة في كوريا الجنوبية والصين والنرويج والسويد وفنلندا ولوكسمبورغ وغيرها. فالمشكلة ليست أن دولة ما أصبحت حاضرة في إفريقيا؛ المشكلة في القاموس الذي يتغير حين تتغير هوية الحاضر.
فلماذا يكون النفوذ شراكة حين يأتي من بعض العواصم، ويصبح شبهة هيمنة حين يأتي من عاصمة أخرى؟ وهل للصف الأول في النظام الدولي شروط عضوية غير مكتوبة، أم أن القوة حين تصدر من المركز تُسمى شراكة، وحين تصعد من الهامش يُعاد تعريفها كتهديد؟
لا أحد يطلب حصانة للإمارات؛ فكل قوة يجب أن تُسأل، وكل ادعاء يحتاج إلى دليل. ولهذا يجب أن يُطرح السؤال بالمعيار نفسه على الجميع. فإذا كان الاستثمار نفوذاً مشروعاً حين يأتي من طوكيو مثالاً على حصراً، فلماذا يصبح شبهة حين يأتي من أبوظبي؟
إفريقيا تستحق أن تُعامل كصاحبة قرار، لا كرقعة شطرنج تتبدل عليها الألوان. وربما تكون المفارقة الأجمل أن القارة التي كانت القوى تتنافس على امتلاكها، بدأت اليوم تجعل القوى تتنافس على شراكتها. فالاستعمار كان ينتزع من إفريقيا حق الاختيار؛ أما إفريقيا الجديدة، فتبدو عازمة على تحويل الاختيار إلى قوتها الجديدة. ومن هنا، لا يكون السؤال: من يملك إفريقيا؟ بل: متى يتوقف العالم عن افتراض أن إفريقيا لا تستطيع أن تملك قرارها؟
فإفريقيا التي انتزعت قرارها من نخاع الوصاية الأجنبية، لم يعد امتحانها فيمن تختار، بل فيمن يتقبل اختياراتها؛ وأبوظبي التي حلّقت بشراكاتها فوق السقف الذي رسمته خرائط القوة القديمة، لم تعد تحتاج إلى من يمنحها مكاناً في الصف الأول.
وبين قارةٍ لم يعتد العالم أن يراها تختار مصيرها، وعاصمة لم يعتد أن يراها تحلق في فضاء الشراكات الكبرى، يبقى السؤال: أمِن الصعب على العالم أن يتقبل أن تتغير الخريطة... أم من الصعب عليه أن يتقبل من يكتبها هذه المرة؟
نبض