تعثّر خطوات لبنان على طريق السلام مع إسرائيل
كلما أظهر الجيش اللبناني قدرته على فرض سلطة الدولة ونزع سلاح "حزب الله" زادت الضغوط على إسرائيل لوقف عملياتها، وزاد استعدادها للانسحاب تدريجياً، مع ذلك لن ينجح أي من الطرفين في تحقيق ذلك من دون قيادة أميركية مستمرة، وآلية تحقّق واضحة، وحدود مناسبة للتدخل الدولي.
يوفّر الإطار بين إسرائيل ولبنان فرصة لكسر الحلقة المفرغة التي حبست البلدين عقوداً. ومراراً وتكراراً أدت نقاط ضعف الدولة اللبنانية إلى فراغات في السلطة استدعت تدخلاً أجنبياً وشكلت تهديدات لإسرائيل.
في حين لم تؤدِ الردود العسكرية الإسرائيلية والانسحابات اللاحقة إلا إلى تفاقم مشكلات الحوكمة القائمة وتعميق فراغات السلطة. وبفضل الوساطة الأميركية، تسعى الأطراف الآن إلى استبدال إدارة نهج الصراع بإطار عمل يقوم على السيادة اللبنانية والأمن الإقليمي. يتمثل الهدف في تعزيز الدولة اللبنانية وإضعاف "حزب الله" تمهيداً لنزع سلاحه في نهاية المطاف وتعزيز العلاقات الثنائية. سيواجه هذا الجهد اختبارات عدة، وسيتوقّف نجاحه على مجموعة واسعة من الشروط المسبقة من بينها الإرادة السياسية لبيروت والإداء الفعّال للقوات المسلحة اللبنانية، ونزع سلاح "حزب الله" بصورة يمكن التحقّق منها، وتحقيق التوازن المناسب بين العزم والمرونة الإسرائيليين، ووضع حدود واضحة للنفوذ الإيراني، واستمرار القيادة الأميركية، وتوفير الدعم الإقليمي والدولي المناسب.
ماذا عن الاختيار السياسي؟
يقول باحث جدي جداً في مركز أبحاث أميركي مهم مركزه واشنطن أن لبنان وافق على خلال العام الماضي على سلسلة تاريخية من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وحظّر رسمياً على "حزب الله" و"الحرس الثوري الإسلامي الايراني" الانخراط في أنشطة أمنية على أراضيه، ووقّع الاتفاق الإطاري التاريخي في 26 حزيران، كما واصل التفاوض في شأن تنفيذه. مع ذلك لا يزال التنفيذ محدوداً إذ لم تفعل الحكومة سوى القليل لوقف إعادة بناء "حزب الله" قدراته العسكرية، أو الحد من قدرته على مهاجمة الإسرائيليين، أو معالجة تهديداته الداخلية المستمرة. لقد ركّزت الجولات القليلة الماضية من المحادثات في الغالب على تبادل المعلومات وتجنّب الصدام المباشر.
عكس ذلك مخاوف القوات المسلحة اللبنانية من نشوب صراع داخلي. وقد أبرزت الاجتماعات الأخيرة في البيت الأبيض الأولويات المتباينة للأطراف الموقعة. ففي 21 تموز شكر الرئيس جوزف عون الرئيس ترامب على توقيع الاتفاق الإطاري، ودعا إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية، رغم أنه يبدو كأن ذلك لم يحدث في المستقبل القريب. من جانبها لا تتعجل القوات المسلحة اللبنانية في الإنتشار وتولّي المسؤولية عن المناطق التي سيطر عليها "حزب الله" تقليدياً، بما في ذلك "المنطقة التجريبية" الثانية التي تشمل بلدتي فرون والغندورية.
ومن ثم تتمثل أولوية عون الأكثر إلحاحاً في تسريع تمويل القوات المسلحة اللبنانية وتوفير الدعم اللازم لها. في الوقت نفسه أكد اجتماع رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو في واشنطن بعد أسبوع أن إسرائيل ستجعل أية إنسحابات إضافية مشروطة بنزع سلاح "حزب الله" وتفكيك قدرته العسكرية. كما يرغب في وضوح في تجنّب تقديم تنازلات قبل الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول المقبل. أما واشنطن فتفضّل إحراز تقدّم تدريجي من دون الدخول في التزامات صارمة أو إرسال قوات أميركية إلى الميدان.
يكمن التوتر الأساسي في رأي الباحث الأميركي الجدي نفسه بين السيادة اللبنانية والأمن الإسرائيلي. إذ تطالب بيروت بإنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو موقف عليها تبنيه علناً رغم أن استمرار هذه العمليات يساعد في الضغط على "حزب الله"، ويعزز رسالة الحكومة بأن البديل عن الديبلوماسية هو العودة إلى الحرب. كما تضغط بيروت من أجل انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي وعودة المدنيين اللبنانيين الذين شرّدهم القتال وإعادة الإعمار. أما إسرائيل فتعطي الأولوية لتفكيك القدرات العسكرية لـ"حزب الله" التي تهدّد أمن البلدين وكذلك سيادة لبنان.
النتيجة هي نسخة أخرى من الحلقة المفرغة الثنائية حيث تجاهر إسرائيل بأن عمليات جيشها ضرورية للقضاء على التهديدات الآتية من لبنان، في حين يبرّر "حزب الله" مقاومته باعتبارها رداً على الأعمال العسكرية الإسرائيلية. هذه الديناميكية نفسها تمكّن "حزب الله" من تصوير الحكومة اللبنانية عديمة الفاعلية أو متحالفة مع إسرائيل. وفي حين أن تقليص عمليات الجيش الإسرائيلي ووجوده من شأنه تعزيز مكانة بيروت سياسياً، فإنه قد يتيح أيضاً لـ"حزب الله" المجال لإعادة بناء ترسانته بالكامل كما فعل في الماضي. يؤجّج ذلك الانتقادات السياسية الداخلية الإسرائيلية في الوقت نفسه. الهدف البعيد المدى للمفاوضات الجارية حول "الإطار" هو كسر هذه الحلقة. في الوقت ذاته يدعم المسؤولون الأميركيون استمرار الوجود الإسرائيلي في لبنان، ويطالبون إسرائيل في الوقت نفسه بالحد من وتيرة عملياتها والتخطيط لإنسحاب لاحق. إن تحديد نزع سلاح "الحزب" والانسحاب الإسرائيلي هدفان رئيسيان يجعلان بيروت والقدس الطرفين المسؤولين عن التنفيذ تحت إشراف واشنطن.
وقد استُبعدت الأمم المتحدة وفرنسا صاحبتا الدور المهم في القرار 1701 ووقف إطلاق النار في 2024 عن هذا الإطار لفشلهما في تنفيذ الـ1701 وفقدانهما المصداقية العملية. أما العقبات الرئيسية أمام العملية الجديدة فتتمثل في القدرات العسكرية لـ"حزب الله" ونفوذه السياسي في بيروت بقيادة حلفاء مثل الرئيس نبيه بري. هناك تحد هو وجود نحو مليون نازح جنوبي معظمهم شيعة. يضع ذلك استقرار البلاد تحت ضغط شديد. ويشكل ذلك احراجاً رئيسياً لشرعية حكومة لبنان الناشئة. قد تمنح هذه المجتمعات النازحة إسرائيل مجالاً للضغط لنزع سلاح "الحزب". لكن القدس ترى في ذلك تهديداً محتملاً أيضاً. إذ سيحاول "حزب الله" استغلال أي تدفق كبير للنازحين الشيعة لتعزيز وضعه الداخلي واستخدام هؤلاء درعاً بشرية لحماية مقاتليه وموارده.
نبض