هل يراد مجدداً ضرب وسط بيروت بمحاصرة "سوليدير" الناظمة للحياة فيه؟
لا أعرف بيروت الستينيات والسبعينيات، أي قبل الحرب، في زمن العزّ كما يقال. عرفتها بعد الحرب مباشرة، مدينة مبعثرة، مهدمة، متسخة، خائفة، مترددة، منطوية على نفسها، تخاف حتى ناسها بعدما بدّلتهم الحروب، وتلاعبت بعقولهم، فلم تعد بيروت تعرفهم، وهم ما عادوا نبض المدينة النابضة.
يقول لي كبيرنا في "النهار" الأستاذ فرنسوا عقل: "حبذا لو تعود أسواق بيروت إلى سابق عهدها". أوافقه الرأي في أن تستعيد عزها، وليس أسواقها بما كانت عليه من محال قديمة، وأسواق للعطارين والبهارات، لا تملك بنية تحتية حديثة وعصرية. وأردد أنه لو عاد المُلّاك والمستأجرون ليرمموا بأنفسهم وسط بيروت، لكان صار أشبه بالأحياء الشعبية، كلّ يرمم على ليلاه، ويعيد فتح محله لبيع الدجاج والصيصان وما شابه.
المدن العصرية يجب ألا تنعزل عن بيئتها ومحيطها، ولكن يجب أيضاً ألا تستسلم للإهمال والعشوائية.
لم أكن من مؤيدي الرئيس رفيق الحريري. كنت أنظر إليه على أنه شخصية عملاقة أكبر من لبنان، يمكن أن تبتلع البلد الصغير، بما له من علاقات دولية وأدوار معلومة مجهولة، وقدرة مالية متفوقة على الجميع.
لكني عدت إلى الرجل بعد غيابه، ذاك الذي خطّ "بيروت مدينة عريقة للمستقبل" شعاراً لشركة "سوليدير" عندما أطلق بواسطتها إعادة إعمار قلب بيروت بعد الحرب. من دون القلب لا يمكن أن تدبّ الحياة في أرجاء الوطن. وهكذا كان، رغم كل المآخذ والتعليقات والانتقادات التي رافقت تلك المرحلة، وكنت من مؤيديها، إذ لحق ظلم كبير بمجموعة كبيرة من الناس، بتّ أدرك أن الحريري الأب لا يتحمّل مسؤوليتها منفرداً، لأن التكلفة كانت كبيرة، وقد ذهبت إلى جيوب منتفعين وسياسيين وميليشيويين. هؤلاء الذين شرّعوا عمل "سوليدير" لقاء أثمان باهظة، وعادوا إلى مهاجمتها بعدما نفدت الأموال، أو تراجعت مصالحهم.

في كل مرة، وأمام كل استحقاق، وحرب عبثية، واعتصامات في الوسط، وتخريب متعمد للأملاك، تستعيد بيروت مشهد الأمس. تبدو حزينة، قلقة، خائفة، متوجسة من المستقبل. بيروت ليست في أفضل حال بعد انكفاء "سوليدير" التي كانت تعتني بها. البلدية عاجزة لكثرة الضغوط عليها. العاصمة مخلّعة الأبواب أمام غرباء وميليشيات ومافيات ونازحين يعيدون إليها شبح الحرب.
أمام هذا الواقع المرير، يعود النقاش حول التمديد أو التجديد لعمل شركة "سوليدير"، وتتعالى الأصوات لمحاسبتها، من دون طرح محاسبة من يعرقلون الأعمال، ويحتلون المنطقة التي تعتني بها، وينصبون الخيم ويقيمون الاعتصامات، قبل أزمة النزوح الأخيرة التي، مع غيرها، تمنع تقدم الأعمال المطالبة بها "سوليدير".
ومحاسبة "سوليدير" واجب على الدولة، لأنها شركة تخضع للقوانين اللبنانية، وإن تمتعت باستثناءات وإعفاءات يمكن إعادة النظر فيها والتوافق على تعديلها بالحوار، لا بـ"تطفيش" شركة جديدة لها استثماراتها الكبيرة في البلد. كأن لبنان يريد أن يعطي مثلاً في إفشال عالم الأعمال.
ولكن بعيداً من الجدل السياسي والقانوني الذي رافقها منذ تأسيسها، هناك مجموعة من الإنجازات يصعب إنكار أثرها في بيروت، وخصوصاً في وسط المدينة.
فقد تولّت "سوليدير" منذ تأسيسها عام 1994 مهمة تطوير الوسط التجاري وإعادة إعماره، بما في ذلك البنية التحتية والطرق وشبكات الخدمات والمباني. وكان الهدف إعادة وسط بيروت إلى دوره، مركزا اقتصاديا وتجاريا للمدينة. ولا يمكن إنكار نجاحها في ذلك. وعمّرت "أسواق بيروت" فسحة جميلة للشراء والتنزه. يقول البعض إنها لطبقة معينة تملك المال الوفير، وهي كذلك، كما كل الأحياء الراقية في المدن الكبرى، ولا تبعد أسواق شعبية عن وسط المدينة سوى أمتار قليلة.
من أهم إنجازاتها ترميم عدد كبير من المباني التاريخية والمحافظة على جزء مهم من النسيج المعماري القديم. كذلك موّلت أعمالاً مرتبطة بالتنقيب الأثري وحماية المواقع التاريخية.
وإذ طورت الشركة البنى التحتية، فقد خصصت مساحة كبيرة للطرق والساحات والحدائق والمساحات المفتوحة والممرات البحرية. ساهم المشروع في جذب المصارف والشركات والفنادق والمطاعم والمتاجر والاستثمارات، وحوّل وسط العاصمة في سنوات معينة إلى واجهة اقتصادية وسياحية مهمة للبنان. وكلنا نذكر كيف ازدحمت ساحة النجمة بالسياح والوافدين يومياً وفي مواسم الأعياد، وكيف تحلق اللبنانيون والأجانب في ساحة النجمة والشوارع المؤدية إليها لإحياء سهرة عيد رأس السنة.
وسّعت "سوليدير" نطاق وسط بيروت في اتجاه البحر، وطورت أجزاء من الواجهة البحرية والمرافق المرتبطة بها، ما أعطى العاصمة مجالاً عمرانياً واستثمارياً جديداً.
يرى البعض أن نجاح "سوليدير" العمراني لا يعني بالضرورة أن نموذجها كان ناجحاً اجتماعياً، وهذا مجال واسع للنقاش المفتوح، وفق رؤية كل واحد وتقييمه للنجاح.
ولكن أمام الواقع المستجد، فإن تعداد الإنجازات والإخفاقات يدفع في اتجاه مقاربة موضوعية وطنية، لا تقصي "سوليدير" عن المشهد، بل تمدد لها ضمن شروط، فلا تضيع حقوق الدولة، ولا تضيع الشركة الناظمة لوسط العاصمة وتدخل بيروت في المجهول.
نبض