دمج التاريخ بمواد أخرى في المناهج الجديدة لا يُلغي الخلاف بل يفكّك العقد على الطريقة اللبنانية

كتاب النهار 02-08-2026 | 10:02

دمج التاريخ بمواد أخرى في المناهج الجديدة لا يُلغي الخلاف بل يفكّك العقد على الطريقة اللبنانية

تاريخنا الحديث صراعات وحروب واقتتال وطائفية ومذهبية وقتل على الهوية، فبمَ نفاخر؟ ولمَ نصرّ على أن نعلّم أولادنا هذا التاريخ؟
دمج التاريخ بمواد أخرى في المناهج الجديدة لا يُلغي الخلاف بل يفكّك العقد على الطريقة اللبنانية
التعليم في لبنان (صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي).
Smaller Bigger

أثار تطويب البطريرك الياس الحويك الذي كان في أساس الاعتراف بلبنان الكبير عام 1920، جدلاً واسعاً حول تاريخ لبنان، تزامن مع الجدل القائم حول دمج مادة التاريخ بمواد أخرى في المناهج التربوية الجديدة في لبنان، وما تثيره هذه النقطة من خلاف في وجهات النظر. 

 

يعدّ البطريرك الحويك العنصر الحاسم في قيام لبنان الكبير، إذ فيما كانت مجموعات طائفية ترغب في الانضمام إلى سوريا، كانت رغبة مارونية - مسيحية جامحة في رسم حدود هذا اللبنان. وفي قراءة تاريخية، إن ضم البقاع والجنوب وعكار إلى جبل لبنان التاريخي، وجعلها ضمن الكيان الوليد، هدفه توفير سهول زراعية تقي جبل لبنان الجوع والعوز، كما في أيام المجاعة، وتفتح السبل إلى موانئ بحرية تمنع الحصار عن الجبل البعيد عن سبل التجارة. 
وإذا كان العامل الديني أساسا في التطويب الكنسي وفق حسابات ومعايير واضحة، فإن تداخل العوامل الدينية والاجتماعية والسياسية هو ما جعل ملف الحويك يتقدم على غيره، والجانب السياسي هو ما يعني المكونات اللبنانية غير المسيحية، وربما غير المارونية. لذا يمكن الاختلاف على دوره السياسي والاجتماعي والفكري في قيام لبنان الكبير. 

 

إذاً الخلاف على التاريخ في لبنان ليس حديث النشأة، بل يعود إلى ما قبل الجمهورية. حتى أحداث 1860 الشهيرة، وما سبقها وما تبعها، تبقى خاضعة لقراءات مختلفة وتفسيرات متضاربة. والخلاف المستمر خصوصاً منذ زمن الحرب إلى اليوم، يمكن أن يعطّل مسار المناهج التربوية الجديدة التي ولدت بعد 30 عاماً على تحديث أخير عام 1997. 

 

ماذا كان الحلّ لتفادي خلاف قد يعطّل المناهج؟ حلّ على الطريقة اللبنانية، في بلد التسويات، والميثاقية، والأعراف، والتقاليد، والطوائف، والمحاور. 
ألغيت مادة التاريخ كمادة مستقلة ودمجت في مادة أوسع (مثل الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والتربية المدنية والمواطنة) وهو خيار تربوي اتبعته بعض الدول، لكنه يبقى موضع جدل كبير، ولا يشكل بالضرورة حلاً لمشكلة تدريس التاريخ في لبنان. 

 

 

البطريرك الراعي خلال إلقاء عظة في قداس إعلان تطويب البطريرك الحويّك في الديمان (نبيل إسماعيل)
البطريرك الراعي خلال إلقاء عظة في قداس إعلان تطويب البطريرك الحويّك في الديمان (نبيل إسماعيل)

 

فلا روايات ولا رؤى متقاربة حول الكثير من الأحداث والشخصيات. كيف ينظر إلى الرئيس بشير الجميل؟ أهو بطل أم خائن وعميل؟ لا يمكن التوصل إلى مقاربة موحدة. هل السيد حسن نصرالله شهيد الوطن أو قائد ميليشيا مسلّحة تتبع إيران؟ الفلسطينيون مقاومة في لبنان، أو أنهم أمعنوا فيه خراباً وتدميرا؟ الجيش السوري محتل أو شقيق؟ حتى إسرائيل العدوّة، ثمة وجهات نظر مختلفة حول مقاربة العلاقة معها. 

 

لذا كان الحل "الوسط" إلغاء مادة التاريخ بما هي خلافية، والاستعاضة عنها بروايات مختلفة للوقائع التاريخية من منظور سياسي أحياناً، ولكن غالباً اقتصادي واجتماعي. 

 

يمكن النظر إلى المسألة من زاويتين:

 

1- يرى مؤيدو الدمج أن تدريس التاريخ اللبناني، ولا سيما مرحلة الحرب الأهلية، ظل لعقود رهينة الانقسامات السياسية والطائفية. ودمج التاريخ ضمن مادة أوسع قد يخفف التركيز على السرديات المتناقضة، علما أن عددا من الأنظمة التعليمية الحديثة تربط التاريخ بالجغرافيا والتربية المدنية والاقتصاد، بهدف فهم الظواهر الاجتماعية بصورة متكاملة بما يساعد في تنمية التفكير النقدي بدلاً من حفظ الأحداث والتواريخ. عندئذ يتحول التعليم من حفظ الوقائع إلى تحليل الوثائق، وفهم الأسباب والنتائج، ومقارنة وجهات النظر.

2- في المقابل تيار معارض، يقوده العالم في التاريخ الدكتور عصام خليفة، يرى أن التاريخ ليس مجرد معلومات، بل هو عنصر أساسي في بناء الهوية الوطنية، وعندما يصبح جزءاً صغيراً من مادة واسعة، غالباً ما تتراجع المساحة المخصصة له. وقد يصبح الاهتمام موجهاً إلى موضوعات عامة على حساب دراسة تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، وهو ما قد يزيد الفجوة المعرفية لدى الأجيال الجديدة. ويلاحظ أن إلغاء المادة لا يحل الخلاف، بل يؤجله.

 

في لبنان، لا تكمن الأزمة في شكل المادة بقدر ما هي في مضمونها. فمنذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990، لم يُعتمد كتاب تاريخ موحد يغطي المراحل الحديثة، بسبب الخلافات السياسية على تفسير الأحداث والمسؤوليات. وإذا كان تفادي الخلاف السياسي حلاً إدارياً أكثر منه تربوياً، فإنه أيضاً يمكن أن يشكل جزءاً من إصلاح يعتمد تعدد الروايات التاريخية، وتدريب التلامذة على قراءة التاريخ بطريقة مختلفة، ومن مصادر مختلفة، ونقد المصادر، وتشجيع النقاش. 

 

من منظور التربية الحديثة، تميل دراسات كثيرة إلى أن المهم ليس اسم المادة، بل جودة المنهج وأسلوب التدريس. ومع ذلك، في بلد مثل لبنان حيث الذاكرة الجماعية منقسمة والتاريخ موضوع حساس، قد يُفسّر إلغاء مادة التاريخ المستقلة على أنه تجنب للمشكلة بدلاً من معالجتها. ويبقى السؤال: ما البديل العملاني وليس النظري في الندوات والمؤلفات غير القابلة للتطبيق غالباً؟ 

 

تتردد باستمرار مقولة "مَن لا تاريخ له لا مستقبل له"، فإذا لم يكن هناك تاريخ، فكيف يكون هناك حاضر أو مستقبلٌ؟ وفي رأيي أن الحضارة التي قامت عليها المجتمعات أكبر من التاريخ وأوسع وأشمل، وهي ما يجب أن يدرّس، أما الأحداث التاريخية فغالباً مشينة، والنظر إليها اليوم يخرجها من سياقها الماضي، ويسبغ عليها قراءات معاصرة قد لا تناسب حقيقتها. وتاريخنا الحديث صراعات وحروب واقتتال وطائفية ومذهبية وقتل على الهوية، فبمَ نفاخر؟ ولمَ نصرّ على أن نعلّم أولادنا هذا التاريخ؟ أضف إلى ذلك أن التلامذة في عصرنا باتوا أقلّ اهتماماً، إن لم نقل إن اهتمامهم بالتاريخ بات معدوما. وإذا حفظوه عن ظهر قلب، فلامتحان نهاية الشهر فقط. 


الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/31/2026 11:21:00 PM
كشفت التحقيقات الأمنية في ريف درعا ملابسات مقتل الطفلة نور، بعدما اعترف عمها بارتكاب الجريمة، فيما أوقف والدها وعمها الثاني بتهمة التستر عليها
كتاب النهار 7/31/2026 5:26:00 PM
حملة الدايخ ليست أخلاقية، ومنع الإيجار عنه ربما قرار صائب لأنه ظهر في قلة أخلاق وفي مذهبية حاقدة.
أوروبا 7/31/2026 11:38:00 AM
أعادت أزمة سبتة ملف الهجرة إلى صدارة الجدل الأوروبي، بعدما أدى تدفق آلاف المهاجرين إلى خلافات ديبلوماسية وتحركات أمنية وتساؤلات بشأن دور المغرب.
لبنان 7/31/2026 2:17:00 PM
ليس خافياً أن الدعم الأوروبي للمشروع يرتبط بتشجيع تعزيز الرقابة على الحدود والحد من عمليات تهريب السلاح والممنوعات والعبور غير الشرعي.