خطر الحوثيين لم ينته بل أصبح أكثر تعقيداً

كتاب النهار 16-07-2026 | 04:07
خطر الحوثيين لم ينته بل أصبح أكثر تعقيداً

خطر الحوثيين لم ينتهِ، لكنه تغير. لم تعد الجماعة تبحث بالضرورة عن مواجهة بحرية مفتوحة، بل عن الاحتفاظ بحق استخدامها عند الحاجة. ولم يعد البحر الأحمر مجرد ساحة عمليات عسكرية، بل أصبح ورقة تفاوض...

خطر الحوثيين لم ينته بل أصبح أكثر تعقيداً
مضيق هرمز (أ ف ب)
Smaller Bigger

من السهل الوقوع في وهم أن خطر الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر قد انحسر. فمنذ أشهر لم تعد صور السفن المحترقة أو الهجمات الصاروخية تتصدر نشرات الأخبار كما حدث خلال ذروة الأزمة، إلا أن هذا الهدوء لا يعني أن التهديد انتهى، بل ربما يعني أنه أصبح أكثر تعقيداً وأقلّ قابلية للتنبؤ.

فالتطورات الأخيرة في الخليج، وما شهدته منطقة مضيق هرمز من تصعيد متبادل بين الولايات المتحدة وإيران، أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكبر: هل يمكن أن يتحول باب المندب مرة أخرى إلى ساحة ضغط إيرانية عبر الحوثيين أم أن الجماعة أصبحت تمتلك حساباتها الخاصة التي تتجاوز مجرد تنفيذ أجندة طهران؟

الحقيقة أن الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت الحوثيين خلال عامي 2024 و 2005 حققت نجاحاً عسكرياً جزئياً. فقد أضعفت قدراتهم، واستهدفت جزءاً مهماً من بنيتهم العسكرية والاقتصادية، لكنها لم تنجح في القضاء على قدرتهم على تهديد الملاحة.

وبينما توقفت الهجمات الواسعة على السفن التجارية، بقيت القدرة على العودة إليها قائمة، وهو ما يفسر استمرار شركات الشحن والتأمين في التعامل مع البحر الأحمر باعتباره منطقة مرتفعة المخاطر، رغم تراجع العمليات العسكرية المباشرة.

وهنا تظهر ملاحظة مهمة هي أن الحوثيين لم يتخلوا عن سلاح تهديد الملاحة، بل احتفظوا به كورقة ردع وضغط؛ فالتهديد أصبح بحد ذاته أداة سياسية، حتى في غياب التنفيذ الفعلي.

المفارقة أن الجماعة أظهرت خلال الحرب الإيرانية الأخيرة قدراً غير متوقع من ضبط النفس. ففي الوقت الذي كانت فيه فصائل أخرى مرتبطة بإيران تشارك في التصعيد، امتنع الحوثيون عن توسيع المواجهة في البحر الأحمر أو استهداف دول الخليج بصورة واسعة. ويبدو أن هذا القرار لم يكن تعبيراً عن ضعف بقدر ما كان انعكاساً لحسابات سياسية داخلية وإقليمية.

فالقيادة الحوثية تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع السعودية قد تنسف سنوات من الاتصالات غير المعلنة ومحاولات تثبيت التهدئة، كما أن العودة إلى حرب يمنية شاملة ليست بالضرورة في مصلحتها وهي تسعى إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد الضربات الأخيرة.

لكن هذا لا يعني أن البحر الأحمر أصبح أكثر أمناً؛ فالخطر الحقيقي لم يعد يكمن فقط في احتمال إطلاق صاروخ أو طائرة مسيرة على سفينة، بل في تحول الممرات البحرية إلى أدوات تفاوض جيوسياسي. فما جرى في مضيق هرمز خلال الأسابيع الأخيرة كشف أن فكرة استخدام الممرات البحرية كسلاح سياسي لم تعد مجرد تهديد نظري، بل أصبحت جزءاً من أدوات الصراع الإقليمي. وقد تصاعدت خلال الأيام الأخيرة التحذيرات من احتمال توسيع الضغط الإيراني ليشمل باب المندب عبر الحوثيين إذا استمرت المواجهة مع أميركا وحلفائها، حتى وإن ظل هذا الخيار أقرب إلى ورقة احتياط منه إلى قرار وشيك.

قبل عامين كانت التقديرات أن غياب استجابة دولية منسقة تجاه هجمات الحوثيين لن يؤدي فقط إلى استمرار الأزمة في البحر الأحمر، وإنما إلى تقويض مبدأ حرية الملاحة نفسه. وقتها كان التخوف يتركز على احتمال تقليد جماعات مسلحة أخرى للحوثيين. لكن ما حدث لاحقاً كان أكبر بكثير، إذ انتقلت فكرة الضغط على التجارة العالمية من فاعل غير دولي إلى دولة إقليمية كبرى استخدمت مضيق هرمز كورقة استراتيجية.

بهذا المعنى لم يعد باب المندب وهرمز ملفين منفصلين، وإنما أصبحا جزءاً من معادلة واحدة عنوانها "جغرافيا الضغط". فإذا كان هرمز يمثل شريان الطاقة الخليجي، فإن باب المندب يمثل بوابة هذا الشريان إلى الأسواق العالمية. ومن يملك القدرة على تهديد أحدهما يستطيع التأثير في الآخر، ولو بصورة غير مباشرة.

أما داخل اليمن، فلا تزال الصورة شديدة التعقيد؛ فالحرب لم تنتهِ، لكنها لم تعد حرباً مفتوحة أيضاً. الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تعاني من انقسامات داخلية، بينما أدى تراجع التنسيق بين الحلفاء إلى إعادة تشكيل موازين القوى. وفي المقابل، يبدو الحوثيون أكثر تماسكاً من خصومهم، وإن كانوا أقل استعداداً للمغامرة بحرب جديدة واسعة.

كما أن غياب مبادرة ديبلوماسية دولية فعالة جعل الملف اليمني يتحول تدريجياً إلى ملف تديره القوى الإقليمية، التي باتت تميل بصورة متزايدة إلى إدارة الأزمة وفق أولوياتها الأمنية المباشرة أكثر من السعي إلى إطار دولي واسع.

قد لا يستطيع الحوثيون فعلاً إغلاق البحر الأحمر، لكنهم يستطيعون جعله أكثر تكلفة. فالسيطرة الكاملة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم تتجاوز قدرات الجماعة العسكرية، في ظل الوجود البحري الأميركي والأوروبي والدولي، لكن تعطيل الملاحة لا يحتاج إلى إغلاق كامل. يكفي رفع مستوى المخاطر حتى ترتفع أقساط التأمين، وتغير شركات الشحن مساراتها، وتتراجع حركة العبور عبر قناة السويس، وهو ما شهدناه بالفعل خلال ذروة الأزمة.

ومن هنا فإن نجاح الحوثيين لا يقاس بعدد السفن التي يستهدفونها، وإنما بحجم الخسائر الاقتصادية التي يفرضونها دون إطلاق رصاصة واحدة.


مضيق هرمز (رويترز).
مضيق هرمز (رويترز).



خطر الحوثيين لم ينتهِ، لكنه تغير. لم تعد الجماعة تبحث بالضرورة عن مواجهة بحرية مفتوحة، بل عن الاحتفاظ بحق استخدامها عند الحاجة. ولم يعد البحر الأحمر مجرد ساحة عمليات عسكرية، بل أصبح ورقة تفاوض ضمن صراع إقليمي أوسع يمتد من اليمن إلى الخليج، ومن باب المندب إلى مضيق هرمز.

لهذا، فإن أيّ حديث عن عودة الاستقرار إلى البحر الأحمر سيظلّ سابقاً لأوانه ما لم تُعالج جذور الأزمة اليمنية نفسها، ويُعاد بناء إطار دولي قادر على حماية حرية الملاحة باعتبارها مصلحة عالمية، لا مجرد ملف مرتبط بحرب أو أزمة إقليمية عابرة.