الخيار البديل للاتفاق الإطاري قاتل للبنان
تريثت قيادات سياسية عدة وأظهرت حذرا مدروسا في إعلان دعمها أو رفضها العلني للاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان مع إسرائيل برعاية واشنطن يوم الجمعة الماضي في 26 حزيران. يرتبط الأمر بملاحظات على بنود في الاتفاق، فيما لا رغبة في إفساح المجال لإيران أو "حزب الله" للاستفادة من ذلك وتقوية معارضتهما، في وقت تتعاظم المعارضة لمساعي إيران فرض نفسها على الواقع اللبناني وربطه بمفاوضاتها.
انتظر كثر رد الفعل الخليجي والعربي في الدرجة الأولى كمعيار يُستند إليه، وقد لجم الترحيب الأوروبي فالخليجي بمضامين الاتفاق الإطاري والجهود اللبنانية والأميركية الرامية إلى استعادة لبنان سيادته وانسحاب إسرائيل من أراضيه، تعليقات إعلامية وسياسية، فيما أثارت عدم مسارعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى ضم الاتفاق إلى قائمة الحروب السبعة التي أنهاها وفق مفاخرته بذلك في أكثر من محطة، تساؤلات عما إذا كان ذلك رُبط بترك الأمور مفتوحة مع إيران وعدم استفزازها في مسار تنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، أو باعتبارات أميركية داخلية أو غير ذلك. والأمر نفسه انسحب على انتظار رد الفعل الإيراني الذي كان بدأ بتحريك "حزب الله" الشارع اعتراضا، قبل لجمه عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، في حين تواجه إيران شياطينها الداخلية المتعلقة بالمفاوضات أيضا، أقله بناء على إعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان "أن بعض الأفراد والتيارات يضعون العراقيل أمام مسار المصالح الوطنية ويسعون إلى إرباك المسارات البنّاءة من خلال عرقلة التقدم في هذا الاتجاه"، ما يترك غموضا وبلبلة لدى الحزب.
التريث والحذر يرتبطان بمحاولة استكشاف البعد الإقليمي وماهية الاتفاق الإطاري من ضمن الإستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة في توزيع الأرباح والخسائر، ولا سيما بعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل على خلفية توقيع واشنطن مذكرة تفاهم تنهي الحرب مع طهران.
تسيطر على المشهد نزعة مقارنة التجربة اللبنانية الراهنة بتجارب غير مشجعة خلال تاريخ لبنان الحديث، سواء مع إسرائيل أو إيران أو حتى مع الولايات المتحدة، على رغم الظروف المتغيرة في المنطقة، ولا سيما اتفاق 17 أيار 1983، علما أن الاتفاق الحالي إطاريّ وليس نهائيا، والظروف مختلفة إلى حد كبير.
الأمر الإيجابي كان تسارع الخطوات عبر زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر، ورئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان الجنرال جوزف كليرفيلد، لكل من الرئيس جوزف عون وقائد الجيش البناني العماد رودولف هيكل من أجل إطلاق تنفيذ الاتفاق الإطاري رسميا، بهدف البناء سريعا على الزخم الذي ولّده هذا الاتفاق، تزامنا مع تسريب بنود الملحق الأمني الذي أشار إلى الهدف النهائي المتمثل في الانسحاب الإسرائيلي النهائي من لبنان. وقد أخذ البعض على الاتفاق الإطاري أنه لم يشر إلى ذلك صراحة.
توازيا، ما يجب أن يضعه السياسيون نصب أعينهم في رأي ديبلوماسيين مخضرمين، هو جوهر الموضوع على رغم الملاحظات أو المآخذ التي يسجلها البعض، وهو يتصل بمعرفة الخيار البديل للبنان. فالاتفاق ليس كتابا مقدسا، بل هو إطار للتفاوض قد يشهد تعديلات والذهاب إلى اتفاق الهدنة أو تطويره. وإذا قيل إن الخيار هو ترك الأمور للمسار الإيراني - الأميركي وفق ما طالب الثنائي الشيعي الذي لم ينضم إليه أي فريق، فإنما الترجمة، إذا مضى مسار إسلام آباد- وهناك شكوك كبيرة في ذلك- هي في استمرار الحرب أو وفق ما تشي خطابات الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم العودة إلى ما قبل العام 2000، أو إقامة تفاهم على غرار "تفاهم نيسان"، مع بقاء إسرائيل في جنوب لبنان وبقاء الحزب وفق قواعد الاشتباك التي عرفها لبنان في محطات سابقة.
ويمكن أن تعد إيران الولايات المتحدة بعدم إطلاق النار من الجنوب على إسرائيل وفقا للمرحلة بين 2006 وإطلاق حرب غزة، لكن ترجمة ذلك في ظل الواقع اللبناني هي أن قرار الحرب والسلم يبقى في يد إيران، فيما السلطة مجرد واجهة ولو أدخلت تعديلات شكلية، وقد بات الوضع اللبناني أكثر صعوبة وانهيارا عما كان في 1996 أو في 2006.
والحال أن مطالبة الثنائي الشيعي بالمسار الإيراني- الاميركي ترتبط حصرا بإنقاذ الحزب واحتفاظه بسلاحه على خلفية حماية الموقع الذي تشكله إيران وتتشدد في المحافظة عليه في لبنان بعد خسارتها سوريا، لا بل انقلابها عليها كليا. وهذا يعني الانهيار الكامل للبنان أو التقسيم الواقعي والعملاني ربما. وما لم يدافع لبنان عن حقه في تقرير سيادته فلن يدافع عنه أحد.
[email protected]
نبض