فرنسا في مواجهة الموجات الحرارية: تتفاعل دائماً ولا تستعدّ إطلاقاً

كتاب النهار 28-06-2026 | 13:21

فرنسا في مواجهة الموجات الحرارية: تتفاعل دائماً ولا تستعدّ إطلاقاً

ثلاثة وعشرون عاماً مضت، والتاريخ يعيد نفسه. تعاني فرنسا وأوروبا من موجة حرٍّ تاريخية جديدة، بدرجات حرارة لم يُسجَّل مثلها من قبل تسببت بمئات الضحايا.
فرنسا في مواجهة الموجات الحرارية: تتفاعل دائماً ولا تستعدّ إطلاقاً
فرنسيون يبتردون عند نافورة تروكاديرو أسفل برج ايفل في باريس
Smaller Bigger

 قبل ثلاثة وعشرين عاماً، أطلق الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك من منبر جوهانسبورغ تحذيراً لا يُنسى: "بيتنا يحترق ونحن ننظر في اتجاه آخر".  وبعد أشهر قليلة، أودى صيف عام 2003 بحياة نحو خمسة عشر ألف فرنسي في غضون أسابيع قليلة. كانت كارثة وطنية ظنّ الجميع أنها ستكون صدمة تُغيّر المسار.

 

ثلاثة وعشرون عاماً مضت، والتاريخ يعيد نفسه. تعاني فرنسا وأوروبا من موجة حرٍّ تاريخية جديدة، بدرجات حرارة لم يُسجَّل مثلها من قبل  تسببت بمئات الضحايا، وحرارة خانقة تُذكّر بصحارى المملكة العربية السعودية أكثر مما تُذكّر بلطف المناخ الفرنسي المعتدل. والخلاصة صادمة: لم تستخلص البلاد حتى الآن أي درس من الماضي.


شلل تام
يكفي أن يتجاوز الميزان أربعين درجة حتى تدخل فرنسا في حالة من الشلل التام. تتوقف القطارات على القضبان بسبب ارتفاع الحرارة. تُرسل المدارس الطلاب إلى بيوتهم لانعدام التكييف. تتحول الشركات إلى العمل عن بُعد على عجل. وتتعطل مصاعد المباني، حتى العالية منها، وتعجز خدمات الصيانة عن الاستجابة لأيام متواصلة. هذه النقطة الأخيرة ربما تكون الرمز الأوضح للإهمال الجماعي، إذ قد يجد المواطن نفسه محاصراً لساعات في كابينة مصعد خانقة من دون أن يجيبه أحد. في دولة تعتبر نفسها قوة كبرى، هذه الصورة بقدر ما هي سخيفة، بقدر ما هي خطيرة.

 

أمام هذا المشهد، تتحرك الطبقة السياسية، لكن فقط لتتبادل الاتهامات، لا لتقديم الحلول. الأحزاب تتراشق بالمسؤوليات، والخلافات تتصاعد، وفي غضون ذلك لا المستشفيات ولا المنظومة الصحية ولا وسائل النقل ولا المدارس جاهزة لمواجهة موجات الحر التي باتت متوقعة ومتكررة. هنا يكمن جوهر المشكلة: لم تعد هذه الموجات مفاجئة. لقد رصدها العلماء وحذّروا منها وأعدّوا نماذجها منذ عقود. ما ينقص هو الإرادة السياسية لتحويل المعرفة إلى فعل.


بين لبنان وفرنسا
ثمة تناقض مؤلم في هذا الوضع. لبنان، البلد الذي دمّرته الحروب والأزمات الاقتصادية وسنوات القصف، صنع من معاناته ثقافة تكيّف وإبداع في إيجاد الحلول البديلة. يجد مواطنوه مخارج رغم كل شيء، في غياب دولة موثوقة. أما فرنسا، فتملك كل الموارد، المالية والتقنية والمؤسسية، ومع ذلك، في كل موجة حرّ صيفاً أو كل عاصفة ثلج شتاءً، يكون رد الفعل ذاته: الدهشة والتوقف والارتجال. ليست المشكلة في الإمكانات، بل في ثقافة سياسية وإدارية عاجزة عن التفكير البعيد المدى حينما يفرض التقويم الانتخابي النظر في المدى القصير فحسب.

 



لم يعد بإمكان فرنسا أن تتعامل مع الأزمات المناخية باعتبارها أحداثاً استثنائية. فهي باتت القاعدة. الاستثمار الكثيف في التكيّف مع المناخ، من تحسين عزل المباني العامة، وتخضير الفضاءات الحضرية، وتكييف المدارس والمستشفيات، وإصلاح البروتوكولات الصحية، وتحديث البنية التحتية للنقل، لم تعد خياراً بيئياً رفاهياً، بل ضرورة حيوية.

 

ثلاثة وعشرون عاماً بعد شيراك، البيت لا يزال يحترق. ونحن لا نزال ننظر في اتجاه آخر.


الأكثر قراءة

النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...
لبنان 7/21/2026 9:40:00 AM
قيادة الجيش اللبناني: ندعو المواطنين إلى عدم التوجه إلى بلدة زوطر الغربية ريثما يستقر الوضع الأمني
لبنان 7/21/2026 12:23:00 PM
أمانة جمارك جديدة يابوس، ضبطت 226 قنبلةً من نوع "RGC"، كانت مخبأة بإحكام ضمن مخابئ سرية داخل إحدى السيارات