.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في سيرتي الذاتية، لم يغب يوماً بهيج طبارة. الآن، أخطّ هذه الكلمات. لا أُرثيه. لا أقيّمه. لا أبكيه. لا أتحسّر عليه. لا أستعيد كلمات جوفاء تتكرر عند رحيل أيٍّ كان... جلّ ما أفعله الآن أنني أحاول، في يوم مماته، أن أبقيه حياً في درس واحد من دروسه التي صنعت جزءاً من شخصيتي!
أترك السياسة والمصادر والمعلومات والمخططات والمفاوضات والتفاهمات، لأكتب عن بهيج طبارة الذي كان، عن حق، أوّل أساتذتي في هذه الحياة، قبل أن تفصل بيننا الظروف والتوجهات والانتماءات والجغرافيا، وإن بقيت القلوب والذاكرة والنوستالجيا تجمعنا!
مع رحيل بهيج طبارة، عادت جزئية جوهرية من حياتي إلى البال! عادت سنوات طويلة عشتها معه، بصفة مستشار، عندما كان منخرطاً في العمل السياسي، بدايةً إلى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن ثم -ولفترة- إلى جانب الرئيس سعد الحريري!
كنتُ لما التقيت ببهيج طبارة لا أزال في مقتبل العمر، وكان هو يقترب من الدخول في عامه الستين.
أحب فيّ "البلدوزر"، كما كان يقول: لا أتعب، لا أشكو، لا أُحابي، ولا أسكت!
أحببتُ فيه أناقته، نظافة لسانه ومظهره، عناده المزيّن بهدوء، وإقدامه المحبوك بحكمة.
بسرعة، اختارني معاوناً له. أعطاني صفة مستشار، ولكنني في الواقع كنت معاوناً. من أنّى لي، في ذاك الزمان، أن أُقدم استشارات؟
تحوّل إلى أستاذ لي. كان يعلّمني، بالممارسة اليومية، كيف أكتب عنه وله.
مرةً كان مضطراً لإلقاء خطاب، ولم يكن لديه ما يكفي من وقت ليكتبه. طلب مني أن أفعل؛ أن أُجهّز له مسودة خطاب. فعلت. وعندما قرأه، نظر إليّ نظرة أستاذ جامعي، وقال لي: خطاب جميل، ولكنّه غير صالح.
استغربت الإشادة والرفض في تعليق مقتضب جداً، وأنا الذي كنتُ، بركاكة التجربة، أظن نفسي جبران خليل جبران عصره!
شرح لي ما لم أعد أنساه يوماً، وحاولت كثيراً أن أنقله إلى كثيرين: هذا الخطاب جميل لو كنتَ أنتَ سوف تلقيه، ولكنّه لا يصلح أن أُلقيه أنا. هل تريدون أن يقولوا: اسمعوا بهيج طبارة يلقي خطاب فارس خشّان؟