أوروبا بعد الحرب: حساب الذات

كتاب النهار 22-06-2026 | 05:00
أوروبا بعد الحرب: حساب الذات

تقف أوروبا اليوم، بعد حرب إيران، أمام مفترق طرق لا يحتمل التردد، فإما الاستمرار في التبعية لواشنطن، والمخاطرة بمزيد من الركود والتهميش، وإما اتخاذ خطوات جريئة نحو تكامل أعمق وأكثر نضجاً.

أوروبا بعد الحرب: حساب الذات
الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون في قمة السبع (أ ف ب)
Smaller Bigger

وضعت الحرب في الشرق الأوسط أوزارها، لكن نهايتها بالنسبة لأوروبا، تبدو بداية مسار نقد ذاتي طويل. فقد كانت حرب ترامب ونتنياهو في إيران، بمثابة مرآة كاشفة لهشاشة الموقع الأوروبي في عالم تتغير موازينه بسرعة.

أول ما كشفته الحرب، بوضوح هو ضآلة الثقل الجيوسياسي الأوروبي الراهن. فرغم أن النيران اشتعلت غير بعيدٍ من حدود الاتحاد، عجز هذا الأخير عن حماية مصالحه أو التأثير في مسار الأحداث، فبقي يتفرج من الهامش. في المقابل، خرجت الصين رابحاً صامتاً، إذ عززت صورتها كقوة موزونة ومسؤولة، بينما واجهت واشنطن عجزها عن تحويل انتصاراتها التكتيكية إلى مكاسب دائمة.

ولم تكن الصدمة سياسية فحسب، بل اقتصادية بامتياز، إذ تمثل تداعيات هذه الحرب الهزة الثالثة الكبرى التي يتلقاها الاقتصاد الأوروبي في أقل من عقد، بعد جائحة كورونا وأزمة الطاقة الروسية. واليوم يلوح في الأفق شبح ركود طويل الأمد، لأسباب متشابكة. فمن جهة، أثبت تفويض البنك المركزي الأوروبي، المنحصر في محاربة التضخم، عجزاً واضحاً أمام تضخم مستورد من الخارج مرتبط بأسعار الطاقة والمواد الخام، حيث قد تزيد السياسات النقدية التقشفية الطين بلة بدل أن تعالج الداء.

ومن جهة أخرى، تجد دول وازنة كفرنسا وإيطاليا، اللتين تمثلان معاً نحو 35% من اقتصاد منطقة اليورو، أيديها مكبّلة بقيود "ميثاق الاستقرار" حين تحاول مواجهة الصدمات الطارئة. وضاعف من الأزمة إغلاق مضيق هرمز، الذي تسبب في نقص حاد بالغاز والنفط والألمنيوم والأسمدة، فأشعل موجة تضخمية. فقد أعادت الحرب إلى الواجهة جرحاً أوروبياً قديماً، وهو التبعية المفرطة للمحروقات المستوردة، التي تبلغ نسبتها 97% بالنسبة للنفط و85% بالنسبة للغاز.

كما شكّلت تهديدات ترامب، في نيسان/ أبريل 2026، بالانسحاب من حلف الناتو صدمة عميقة في أوساط النخبة الدفاعية الأوروبية، إذ بات احتمال رفض واشنطن تفعيل المادة الخامسة في حال تعرض أوروبا لهجوم روسي فرضية ينبغي التعامل معها بجدية فائقة.