ترامب والفيودالية الجديدة... براديغم آخر للاقتصاد والدولة

كتاب النهار 22-05-2026 | 04:40
ترامب والفيودالية الجديدة... براديغم آخر للاقتصاد والدولة

نشهد ميلاد "الفيودالية التقنية"، كما وصفها الاقتصادي "يانيس فاروفاكيس" في كتابه "العبيد الجدد للاقتصاد"؛ إذ مع موت الرأسمالية التقليدية، يتشكل براديغم جديد للاقتصاد والدولة، حيث تحول الإنترنت من فضاء حر إلى إقطاع تقني يسيطر عليه أصحاب المليارات.

ترامب والفيودالية الجديدة... براديغم آخر للاقتصاد والدولة
الرئيس الصيني شي جين بينغ يصافح أعضاء الوفد الأميركي بينما ترامب يراقب خلال حفل الترحيب الذي أقيم في قاعة الشعب الكبرى في بكين في 14 مايو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

عندما هبطت طائرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بكين، الأسبوع الماضي، في أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ 2017، حين زارها ترامب نفسه في ولايته الأولى، لم يكن الوفد المرافق يتكون من سياسيين تقليديين، بل ضم قرابة 18 من كبار الرؤساء التنفيذيين لأبرز الشركات الأميركية في مجالات التكنولوجيا والمالية، من الذين وصفتهم وسائل الإعلام بـ"رجال التريليونات"؛ فثروتهم الإجمالية تقدّر بنحو 27 تريليون دولار، أي أكثر من الناتج المحلي الخام للصين.

شمل الوفد شخصيات بارزة مثل جينسن هوانغ (إنفيديا)، إيلون ماسك (تسلا وسبايس إكس)، تيم كوك (أبل)، لاري فينك (بلاك روك)، بالإضافة إلى قادة بوينغ، سيتي غروب، سيسكو، غولدمان ساكس، فيزا، ماستركارد، كوالكوم، ميتا وغيرها. الهدف الواضح: تذليل العقبات أمام الشركات الأميركية في السوق الصينية.

هذه التركيبة، التي صنعها ترامب بنفسه، تعكس مرحلة جديدة في التعاطي مع مفاهيم الدولة والسيادة. لم نعد أمام سياسي غير تقليديّ فحسب، بل أمام اندماج عميق بين السياسة والمال والتكنولوجيا. يتجلى ذلك في ما قام به ماسك من محاولة تفكيك للحكومة الفيدرالية في بداية الولاية الثانية لترامب، وفق رؤية قائمة على "الحد الأدنى من الدولة"، ليكون دور الدولة الرئيسيّ هو خدمة الشركات الكبرى في وادي السيليكون.

في ولايته الأولى، وصل ترامب مدعوماً بسردية شعبوية قوية ضد "مؤسسة الحكم" والنخب الأوليغارشية في واشنطن. قال في حفل تنصيبه: "لزمن طويل جداً، قطفت مجموعة صغيرة في عاصمة أمتنا ثمار الحكم في حين تحمّل الشعب الثمن. ازدهرت واشنطن لكن الشعب لم يشاركها ثروتها. ازدهر السياسيون لكن الوظائف انعدمت والمصانع أغلقت. لقد حمت مؤسسة الحكم نفسها لكنها لم تحم المواطنين ولا بلادنا". 

سردية ترامب حول مؤسسة الحكم والنخب الأوليغارشية جذبت كثيرين ممن كانوا بحاجة إلى زعيم قادر على مواجهة ماكينة صنع نخب على المقاس في الحزبين التقليديين، ساعده ذلك على التحوّل إلى أيقونة لتيار شعبويّ واسع كان بحاجة إلى زعيم عادي يشبههم، وتضاعف ذلك بعد محاولة اغتياله إبان الحملة الانتخابية.