هل تُعتبَر حرية تصرّف إسرائيل في سوريا أقلّ من حريتها في لبنان؟
تراجعت في الأشهر الأخيرة إحتمالات إقامة علاقات أكثر طبيعيةً إن لم تكن سلمية الى حد كبير بين سوريا وإسرائيل. لكن رغم ذلك شكّل إجتماع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس يومي 5 و6 كانون الثاني الماضي تطوّراً إيجابياً لمناقشة الترتيبات الأمنية. طبعاً لعب مسؤولون أميركيون دور الوسيط في هذه المحادثات، وأكد الرئيس دونالد ترامب رغبته في أن "تتوافق" سوريا مع إسرائيل. إلا أن التوفيق بين متطلبات إسرائيل الأمنية بعد 7 تشرين الأول الماضي ومسألة سيادة سوريا في مرحلة ما بعد نظام الأسد لا يزال تحدياً قائماً.
ورغم تفاخر ترامب بقربه من إسرائيل فإنه انتقد عملياتها العسكرية في جنوب سوريا أوائل كانون الأول الماضي والتي أسفرت عن قتل 13 سورياً. لذا وجّه ترامب تحذيراً لها من على منصة "تروث سوشال" من القيام بـ"أنشطة تتعارض مع مسار سوريا الى دولة مزدهرة". علماً أنه كان انتقد مع إدارته عمليات عسكرية سابقة في سوريا، واتهم مسؤولين في إدارة رئيس الوزراء نتنياهو "بالتسرّع في إتخاذ القرارات". واشتكى مسؤول في البيت الأبيض بقوله: "أن نتنياهو يقصف كل شيء باستمرار وقد يقوّض ذلك ما يحاول ترامب إنجازه".
كيف أثرت اعتداءات إسرائيل على خطاب سوريا الشرع؟ أبدى الرئيس السوري أحمد الشرع إستياءه علناً في منتدى الدوحة أوائل كانون الأول الماضي، واتهم إسرائيل بالإنخراط في "حرب ضد أشباح"، وادعى أنه أرسل منذ توليه السلطة رسائل سلام واستقرار الى إسرائيل. لكن بدلاً من إحتضان سوريا الجديدة "قابلتنا إسرائيل بالعنف الشديد". إذ شنّت 1000 غارة جوية واحتلت أجزاء من الأرض السورية المحاذية لحدود الجولان. شكّل هجوم الشرع هذا خروجاً واضحاً على موقفه التوفيقي العام تجاه إسرائيل منذ وصوله الى السلطة. الى ذلك أدانت وزارة الخارجية السورية علناً زيارة بنيامين نتنياهو لقوات إسرائيل في المنطقة العازلة بينها وبين سوريا التي كانت تخضع سابقاً لرقابة وحدات سلام تابعة لـ الأمم المتحدة.

واعتبرت ذلك إنتهاكاً خطيراً للسيادة السورية ومحاولة "فرض أمر واقع" على الحدود. طبعاً دعا الشرع الى طمأنة إسرائيل لفظياً بالقول أن دمشق ليست مهتمة بالصراع وأنه لا ينوي مواجهة إسرائيل، وتعهد عدم السماح بإستخدام سوريا قاعدة إنطلاق ضد الدول المجاورة. وأكد أن بلاده لا تريد التدخل في أي شيء قد يهدد أمن إسرائيل. وعن إحتمالات التطبيع مع إسرائيل قال متحفظاً وإن غير رافضٍ "نريد السلام مع جميع الأطراف". لكنه شدّد على الحساسية الشديدة تجاه القضية الإسرائيلية، لأن إسرائيل تحتل الجولان السوري، واعتبر أنه من السابق لأوانه مناقشة هذا الأمر. لكنه رغم ذلك أرسل وزير خارجيته الشيباني للقاء وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي فون بريمر في باريس. كما التقى أخيراً سفير إسرائيل في واشنطن إضافةً الى المرشح لرئاسة "الموساد".
هل استراتيجية إسرائيل غامضة؟ وما أسباب هذا الغموض؟ من الصعب تحديد إستراتيجية إسرائيل على المدى الطويل في رأي ديفيد شينكر الباحث الأميركي الدائم ومسؤول شؤون الشرق الأوسط في الإدارة الأولى لترامب. قد يكون التشكيك في الشرع مبرراً لعضويته السابقة في تنظيم "القاعدة".
لكن لا يزال غير واضح ما الذي تأمل إسرائيل تحقيقه من خلال نهجها التصعيدي. فهي وضعت خطاً أحمر يمنع وجود أنظمة تركية متطورة في سوريا. لكن جهود إقامة نظام جديد لأمن الحدود مع سوريا لا تزال غير ناضجة. فسوريا عنصر أساسي في التحالف الإقليمي لإحتواء النفوذ الإيراني. إذ يقوم نظام الشرع بإعتراض روتيني لشحنات أسلحة تُرسلها إيران والميليشيات العراقية المدعومة منها الى "حزب الله" في لبنان.
ومؤخراً في 17 كانون الأول الماضي نصبت سوريا كميناً للمهرّبين الذين كانوا يحاولون إعادة تزويد "حزب الله" بعشرات القذائف الصاروخية. قد تعتقد إسرائيل أن الوضع الراهن المتوتر مع سوريا قابلٌ للإستمرار. إلا أن إدارة ترامب غير مقتنعة بذلك. ورغم أن آمال الولايات المتحدة في تطبيع علاقات إسرائيل وسوريا وانضمام الأخيرة الى إتفاقات أبراهام سابقة لأوانها فإن موقف إسرائيل الحالي يستبعد حتى إبرام إتفاق عدم إعتداء. لا يبدو أن نتنياهو يُدرك أن ترامب وشركاءه العرب في الرياض وأبوظبي يبدون إلتزاماً واضحاً بنجاح سوريا. قد تتمتع إسرائيل بحرية أوسع للتصرّف في لبنان لكن ليس بالقدر نفسه في سوريا. إذ يؤثر نهجها في التطورات الإقليمية حيث ترى الدول العربية أن النشاط العسكري المكثّف لإسرائيل في سوريا يزعزع الإستقرار ولا يخدم تعزيز إندماج إسرائيل في المنطقة.
ما هي القضية الأكثر إلحاحاً لواشنطن؟ هي التوترات المتصاعدة بين إسرائيل وتركيا. ستكون الوساطة الأميركية ضرورية للتفاوض على قواعد أساسية تحول دون تحوّل سوريا ساحة صراع تركي – إسرائيلي. ينبغي عل الولايات المتحدة مواصلة تعزيز التواصل بين دمشق والقدس للتوصل الى ترتيب موقّت على طول حدود الجولان. أما الهدف القصير المدى فيتمثل بتحويل سوريا من دولة معادية لإسرائيل الى جارة أكثر حياداً. أما بالنسبة الى القدس وفي ظل عدم إستجابة دمشق للمطالب الإسرائيلية بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، قد يكون التوصل الى حل وسط أمراً لا غنى عنه لإبرام إتفاق مع سوريا الجديدة.
التحليل المعلوماتي هذا منطقي وموضوعي الى حد بعيد. لكن المشكلة الفعلية اليوم، وبعد قيام نظام جديد في سوريا راغب في ترتيبات أمنية مع إسرائيل قد تؤدي لاحقاً الى سلام دائم أو الى تعايش مستقر، هي انطلاق نتنياهو رئيس حكومة إسرائيل في عمل متعدّد الجبهات لإقامة إسرائيل كبرى أو أكبر. وهذا أمرٌ لا يقبله العرب الذين صالحوها وأقاموا سلاماً رسمياً معها ولا العرب الذين اعترفوا بها في اتفاقات أبراهام. ولا يمكن تحقيقه إلا إذا انخرطت أميركا ترامب في العمل الجاد لتحقيقه. فهل تفعل ذلك. وهل هذا المسعى الإسرائيلي – الأميركي الواسع قادر على النجاح في تحقيق أهدافه؟ الجواب الإيجابي ليس مضموناً.
نبض