تفكيك الخطاب الإيراني في ظل غياب المشروع العربي
في ظل غياب الخطاب القومي العربي، استغلت القوميات المجاورة هذا الفراغ عبر تقديم خطابات أُممية مُضلِّلة باسم الخطاب الإسلامي، ما جعل منطقتنا رهينةً لخطابات لا تعبّر عن مصالحنا ولا تخدم رؤانا الاستراتيجية. حتى بلغ الأمر أن يقوم الإنسان العربي بتخوين نفسه أو أخيه تحت تأثير تلك الخطابات. وقد تجلّى ذلك بوضوح منذ أحداث ما سُمّي الربيع العربي وصولاً إلى الحرب على إيران؛ ففي الوقت الذي تتماسك فيه قوى الجوار داخلياً، وتوظفنا أدواتٍ في معاركها، نعاني نحن من الانقسام والانشغال بتفسير خطاب تلك القوى بدلاً من صياغة خطابنا الخاص، لأن قارئ هذه المقالة قد يُحدد موقفه منها وفقاً لمصلحة طرفٍ من أطراف ذلك الجوار، وليس انطلاقاً من رؤية موضوعية مستقلة، وكأن الموقف بات محصوراً بين: مع أم ضد، لا بين حقائق ومصالح.
الخطاب الإيراني على سبيل المثال
إن فهم هذا الخطاب لا يقتصر على مجرد ترجمته من الفارسية إلى العربية فحسب، بل يتطلب إدراك البنية الفكرية والاستراتيجية التي تحكم سلوك الدولة الإيرانية، بل والذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، نحو فهم تاريخها الذي حافظ على استراتيجية ممتدة رغم تغير الحكومات وتبدل الوجوه. فالخطاب الإيراني منظومة معقدة ومركبة، يتداخل فيها التاريخ مع الجغرافيا، والعقيدة مع السياسة، والشعارات الثورية والأممية مع الحسابات البراغماتية. بل أن فهم هذه المنظومة يبدأ أولاً بفهم النظرة الخاصة التي يحملها الإيراني نحو ذاته والعالم والأمور من حوله، في ما تُسمى الرؤية الكونية (Worldview)؛ فالتشيع مثلاً، بصفته مذهباً، أصبح لدى الإيراني جزءاً من تكوينه القومي وهويته السياسية. وبموضوعيةٍ نقول إن الإيراني ليس وحده من يمارس ذلك، لكن من الضروري أن نعترف، بموضوعية أيضاً، بوجود خطاب إيراني مركب يحتاج إلى تفكيكٍ وفهمٍ عميق، حتى لا نقع ضحية للخداع أو الانجرار خلف الشعارات.
إن تعدد وجوه الخطاب يعني بالضرورة تعدد وظائفه بحسب وجهته؛ فالخطاب الذي يمارسه النظام الإيراني في الداخل تتمثل مهمته في تثبيت شرعيته، وحماية أركانه، والحفاظ على تعبئة المجتمع في ظل تآكل العقد الاجتماعي نتيجة فشل السياسات والأزمات المتراكمة. بينما الخطاب الموجه إلى الخارج فهو أكثر استراتيجية واتساعاً زمنياً، يتجاوز حدود النظام القائم نفسه. فعندما تتحدث طهران عن "المقاومة"، فإن هذا المصطلح، رغم قدرته على دغدغة مشاعر الشارع العربي، يتحول عملياً إلى أداة لإدارة النفوذ الإقليمي، وبناء شبكات التحالف، وممارسة الضغط على القوى الإقليمية المنافسة، فضلاً عن استخدامه في التصدي للضغوط الدولية. وهكذا يجد المواطن العربي نفسه، من حيث يدري أو لا يدري، مجرد طلقة في بندقية غيره. وبصراحةٍ يصبح جندياً في معركة العمق الاستراتيجي الذي تسعى إيران لبنائه منذ أن قدم الأخمينيون الفرس إلى منطقة شرق المتوسط، وهناك، وقبل المستعمر الغربي، حفروا قناة "سيزوستريس" لربط نهر النيل بالبحر الأحمر من أجل تجارتهم ونفوذهم!
الذات الإيرانية
من حق إيران أن تفتخر بذاتها، لكن ليس من حقها أن تسلبنا ذاتنا باسم شعاراتها الأممية العابرة للأقطار. بل حتى مفهوم الاستقلال من التبعية، الذي يتكرر باستمرار في خطابها، لا يُفهم بوصفه تحرراً كاملاً من الهيمنة الأجنبية، كما تحاول طهران تصويره عبر شعار "لا شرقية ولا غربية"، وكأن الدولة الإيرانية منذ ثورة 1979م قد حققت استقلالاً مطلقاً، في مقابل عالم عربي لا يزال، بحسب ذلك الخطاب، خاضعاً للتبعية الغربية والاستعمار. لأن تفكيك هذا الخطاب يكشف أن إيران قد استغلته لإدارة مصالحها الخاصة، أي لصالح ذاتها، وليس لقيادة مشروع إقليمي نحو الاستقلال كما يروج خطابها. فالذات الإيرانية، في خطابها الداخلي، تتحدث بوضوح عن "الأمة الإيرانية" و"الحضارة الإيرانية".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض