واشنطن لم تُخطئ… بل كشفت نفسها

كتاب النهار 30-04-2026 | 04:50

واشنطن لم تُخطئ… بل كشفت نفسها

ما تكشفه زيارة تشارلز لواشنطن ليس حال علاقة ثنائية بين بريطانيا والولايات المتحدة وحسب، بل حال منظومة كاملة لم تعد متيقنة من صورتها...
واشنطن لم تُخطئ… بل كشفت نفسها
التفاصيل الصغيرة في واشنطن ذات دلالة أكبر (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تكن واشنطن، وهي تستقبل ملك بريطانيا في الذكرى الـ250 لاستقلالها عنه، متأكدة تماماً من القصة التي تريد أن تحكيها عن نفسها.

 

بين أعلام رُفعت بالخطأ لدولة أخرى، وفرق عسكرية تستحضر أزياء الثورة على التاج، ورئيس يتقدّم بخطوات واسعة مخترقاً مسار الملكة كاميلا ليصافح كما يشاء، بدا أن الغرب الذي كان يفاخر بدقة بروتوكوله، صار يخطئ حتى في ترتيب رموزه.

 

تفاصيل صغيرة... دلالة كبيرة

زيارة الملك تشارلز الثالث للولايات المتحدة لم تكن مجرد مناسبة احتفالية تُضاف إلى سجل «العلاقة الخاصة» بين لندن وواشنطن، بل جاءت فوق أرضية متصدّعة واختلافات سياسية، وملفات تجارية وقيمية جعلت كثيرين في بريطانيا يتحدثون عن تآكل التحالف الغربي في زمن ترامب. لذلك، تصبح التفاصيل الصغيرة في واشنطن ذات دلالة أكبر: فهي لا تعكس ارتباك فريق بروتوكول وحسب، بل ارتباك منظومة تبحث عن لغة جديدة لقوتها، فلا تجد سوى إعادة تدوير رموز قديمة في سياق لم يعد يحتملها.

 

أن ترفع بلدية في قلب العاصمة الأميركية أعلام أستراليا بدلاً من بريطانيا، قبل ساعات من وصول ملكها، ليس مجرد خطأ تقني؛ إنه مشهد مكثف لعالم غربي بات يتعامل مع حلفائه ككتلة واحدة بلا ملامح، في الوقت الذي يطالب فيه بقية العالم بأن يختار معسكره بدقة. العالم الذي رسم الحدود والرايات للآخرين، يختلط عليه اليوم لون علم حليفه الأهم، ثم يطالب الأخر بأن يحفظ عن ظهر قلب كل خطوطه الحمراء!

 

في ساحة البيت الأبيض، حيث كان يُفترض أن تتجلى أعلى درجات الانضباط البروتوكولي، تقدّم ترامب بخطوته المعهودة، مخترقاً المسافة بين الملك والملكة، ليمدّ يده كما لو أنه صاحب المسرح الوحيد. اللقطة، التي التقطتها الكاميرات واشتعلت بها الشاشات، ليست زلة رجل لا يحفظ قواعد المراسم فحسب، بل تكثيف لروح السياسة الأميركية في عهد ترامب: الأنا التي تتقدّم، فيما يعيد الآخرون ترتيب مواقعهم حولها. هكذا تُدار أحياناً علاقات الحليف بالحليف، فكيف تُدار مع الخصم؟

 

أما الزيّ العسكري الذي عاد بالذاكرة إلى الثورة الأميركية على التاج البريطاني، فقد أعاد طرح سؤال أعمق: أيّ رواية يريد الغرب أن يقدّمها عن نفسه اليوم؟ أميركا التي استقلت عن الملك قبل قرنين ونصف تستدعي لحظة التمرّد نفسها أمام ملكٍ آخر من السلالة ذاتها، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى رمزيته لترميم صورة تحالف مضطرب. كأن الرسالة مترددة بين خطابين: نحن الدولة التي تخلصت من التاج، ونحن الدولة التي لا تزال تحتاج إليه لشرعنة أفعالها.

 

حتى قرار تشارلز، بتنسيق مع قصر باكنغهام، تجنب لقاء ضحايا جيفري إبستين أو ممثليهم خلال الزيارة، يعكس نوعاً آخر من الانتقائية الأخلاقية. هنا أيضاً، تُدار السمعة بميزان حسّاس: العدالة مؤجّلة حين تهدّد صورة التاج، لكنها مستعجلة حين تتعلق بخصوم بعيدين. هذا التفاوت الأخلاقي هو جزء من القصّة نفسها: قصّة غرب يطالب العالم بمعايير صارمة، بينما يفاوض على معاييره الخاصة خلف الأبواب المغلقة.

 

شواهد اهتزاز الهيبة

في النهاية، ما تكشفه زيارة تشارلز لواشنطن التي تنتهي اليوم، ليس فقط حال علاقة ثنائية بين بريطانيا والولايات المتحدة، بل حال منظومة كاملة لم تعد متيقنة من صورتها. في زمن كانت فيه الأعلام والأزياء والمصافحات أدوات لصنع هيبة محسوبة، تحوّلت هذه التفاصيل نفسها إلى شواهد على اهتزاز الهيبة.

 

العالم الذي ننظر إليه من عواصمنا اليوم ليس الغرب الذي عرفناه في كتب العلاقات الدولية؛ إنه غرب يتلعثم في بروتوكوله، ويتجادل مع تاريخه، ويحاول أن يثبت أنه لا يزال مركز العالم، بينما تفضحه كاميرا تلتقط، في ثوان، كيف يختلط عليه العلم، وتضيق به المسافة، ويضيع منه المعنى.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها