.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم تنتصر إسرائيل ولم يخسر "حزب الله". لا يزال من المبكر تقديم جردة حساب نهائية. كل ما يُحكى على هذا المستوى، لا يتعدى الدعاية السياسية.
سبب التحفظ على تقديم جردة نهائية بالنتائج يعود إلى طبيعة إعلان وقف إطلاق النار، بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي نسبه إلى "اتفاق" حصل بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
وبالفعل، ما سرى مفعوله منتصف ليل 16- 17 نيسان/أبريل الجاري ليس اتفاقاً على وقف النار، بل مجرد قرار مؤقت، يسقط بحلول اليوم العاشر من اتخاذه، أي أنّ كلاً من الجيش الإسرائيلي و"حزب الله" يمكن أن يعودا إلى الوضعية السابقة بحلول منتصف ليل 26- 27 نيسان/أبريل الجاري، إذا لم يتم التقدم نوعياً في اتجاه "الأسباب الموجبة" التي وقفت وراء هذا القرار!
ما هي هذه الأسباب؟
هناك من دون أدنى شك العامل الإيراني. ضغطت القيادة الإيرانية التي تفاوض الإدارة الأميركية، حتى تتوقف الحرب على "حزب الله" في لبنان، على قاعدة أنّ الحزب فتح النار على إسرائيل لأسباب خاصة به، من جهة، ولأسباب متصلة بإيران، من جهة أخرى، وبالتالي يستحيل تحييده عن "هدنة إيران"، لأنّ ما يسري عليها يسري على "جبهة المقاومة".
قاومت إسرائيل هذا الاتجاه، ولكنّها كانت تعرف أنّ قدرتها على مواجهة ترامب محدودة، الأمر الذي دفعها إلى استعجال القيام بخطوات عسكرية وأمنية كثيرة، بينها السيطرة على خط الدفاع الأول الذي يمنع استهداف المستوطنات الشمالية، بالصواريخ المضادة للدروع، وتضخيم نسبة التدمير، ورفع الكلفة البشرية.
وهناك أيضاً العامل اللبناني، فالسلطة اللبنانية التي قدمت نفسها "ساعية إلى السلام" من خلال مبادرتها، في التاسع من آذار/مارس الماضي إلى عرض عقد مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لم تكن قادرة على سحب ملف لبنان من يد إيران، إلّا إذا أعطاها الرئيس الأميركي وقفاً لإطلاق النار. تجاهل ترامب المطلب اللبناني، مدة طويلة نسبياً، ولكنه في لحظة تناسبه، استراتيجياً، وافق على ذلك وعمل من أجله!
العامل الإسرائيلي يبدو الأضعف، في السياقات التي أوصلت إلى قرار وقف إطلاق النار، إذ إنّ خطة تل أبيب كانت ترمي إلى إجراء مفاوضات تحت النار، بحيث ينجز جيشها ما يمكن أن يعجز الجيش اللبناني عن إنجازه.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، إهمال العامل العربي - الدولي، بحيث اصطفت دول الخليج والدول الأوروبية لمصلحة وقف النار والضغط في اتجاه التوصل إلى حل سلمي لصراع متكرر!
من المنتصر؟
أمام هذه المعطيات، من الحكمة عدم تقديم جواب حاسم عن المنتصر في هذه الجولة من الحرب المفتوحة بين "حزب الله" وإسرائيل، لأنّ ساعة الحقيقة لا تزال تنتظر المقبل من التطورات.
يستطيع الحزب أن يرفع شارة النصر، على اعتبار أنّ قضيته كانت وتبقى، أن يبقى. وهو، مع وقف إطلاق النار، نجح في أن يبقى. ويمكنه هذا السياق استغلال المستويات السياسية والإعلامية في إسرائيل، لتعزيز سرديته هذه، على اعتبار أنّ هناك استياءً من عدم استكمال الحرب حتى تحقيق الأهداف المعلنة!
ولكن إذا تجاوزنا المعيار الذي يعتمده "حزب الله"، يتضح أنّ الحزب خسر كثيراً، فوقف إطلاق النار هذه المرة لا يبني نفسه على معايير واضحة، لأنه ليس اتفاقاً، وبالتالي فإنّ العودة إلى حرب إنهاكه، تبدو احتمالاً قوياً. في الحالة الراهنة، سقطت كل المرجعيات بدءاً بالقرار 1701 وصولاً إلى تفاهم وقف العمليات العدائية الذي كان قد تمّ التوصل إليه في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
والأخطر من ذلك على "حزب الله" يتمثل في أنّ سلاحه الذي طالما حاول أن يستمد مشروعيته من قدسية تحرير الأرض، تحوّل بفعل عوامل متصلة مباشرة بايران، إلى عامل جذب للاحتلال، فوقف إطلاق النار هذه المرة قائم على بقاء الجيش الإسرائيلي في المربعات المتوغلة داخل البلدات اللبنانية، حتى يتوصل ولبنان إلى اتفاق شامل.
والأهم من ذلك كله، أنّ "حزب الله" يجد أنّ الخلفية العقائدية التي يعتمدها تتهاوى، فالسلطة اللبنانية لم تعد مدعوة إلى احتواء "حزب الله" ضمن الاتفاقيات والتفاهمات والقرارات، بل باتت مخيّرة بين ترك الحرب تستبيح أرضها وشعبها، من جهة، والتوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل وإنهاء حالة العداء بين الدولتين، من جهة أخرى!
ولعلّ نقطة الانهيار في حالة "حزب الله" تتمثل في أنّه بات يواجه معركة شرسة في الداخل اللبناني. ولعلّ المفارقة تكمن في إدراكه أنّه، إذا ربح هذه المعركة، فسوف يخسر كل شيء، لأنّ أحداً في العالم لن يصمت، بعد اليوم، على دولة يتحكم بها هذا الحزب!