من مضيق هرمز إلى بيروت: رهانات ترامب والحرس الثوري على الشرق الأوسط

كتاب النهار 12-04-2026 | 06:08
من مضيق هرمز إلى بيروت: رهانات ترامب والحرس الثوري على الشرق الأوسط

لعل لبنان نجا من الوقوع في الفخ الإيراني الذي اشترط ربط وقف النار بين إسرائيل و"حزب الله" ببدء المفاوضات الأميركية الإيرانية في إسلام آباد وكأن للجمهورية الإسلامية الإيرانية صلاحية مصادرة السيادة اللبنانية.

من مضيق هرمز إلى بيروت: رهانات ترامب والحرس الثوري على الشرق الأوسط
ترأس فانس وفد التفاوض على مستقبل واشنطن في الشرق الأوسط. (أ ف ب)
Smaller Bigger

منطقياً، يُفترض ألّا تنهار المحادثات الأميركية الإيرانية التمهيدية لإجراء مفاوضات الفرصة الأخيرة لأن كلاً من الوفدين توقّع من الآخر رفع السقف قبل وصوله إلى إسلام آباد، فترك مساحة للمناورة التفاوضية. ليس هناك بعد اختراق جذري في العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن هناك شبه اعتراف من إدارة دونالد ترامب بشرعية حكم الحرس الثوري الراديكالي العقيدة والهوية، مهما حاول دونالد ترامب أن يصف رجال النظام الجدد بالعقلانية زاعماً أن العمليات العسكرية الأميركية أسفرت عن تغيير النظام في طهران.

شراء الوقت حاجة مشتركة بين الطرفين الأميركي والإيراني من أجل دراسة واستدراك الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية وإعادة التموضع عسكرياً وسياسياً. كلاهما يحتاج إلى فسحة التنفس واستراحة المحارب لأن كلًاً منهما اصطدم بمنطق الآخر في حسابات الانتصار والهزيمة: منطق الجبروت العسكري مقابل منطق الانتحار. خرج كل منهما في الجولة الأولى بلا هزيمة مطلقة للنظام في طهران، وبلا انتصار قاطع لدونالد ترامب.

شراكة؟

جني الأموال بات هدفاً مشتركاً بين واشنطن ترامب وطهران الحرس الثوري. الجديد والمثير للاهتمام والقلق هو أن الرئيس الأميركي تحدّث بلغة الشراكة الأميركية الإيرانية لجني الأموال عبر مضيق هرمز قبل أن يتراجع ويستدرك تداعيات هذه الفكرة المسيئة لحلفاء الولايات المتحدة من الدول العربية في الخليج والشرق الأوسط وكذلك للحلفاء الأوروبيين.

لافت أن حديث الشراكة الأميركية الإيرانية في إدارة مضيق هرمز دغدغ تطلعات الحرس الثوري ليس حباً بما يسمّيه "الشيطان الكبير" وإنما لأن الفكرة الجهنمية تنصّب الجمهورية الإسلامية الإيرانية قوةً عالمية في الشرق الأوسط، أولاً. وثانياً، لأن مثل هذه الشراكة تنسف الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والدول الخليجية العربية.

وثالثاً، لأن الشراكة بين "الشيطان" الأميركي في نظر طهران مع النظام "الإرهابي" في نظر واشنطن تشكل أرضيةً لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بتلاقي فوقية القومية الفارسية مع فوقية القومية الأميركية المنعطفة على فوقية القومية اليهودية لإسرائيل بتهميش متعمّد للرؤية والمشاريع التنموية في المنطقة العربية، بالذات في دول الخليج.

قد يزعم رجال طهران أنهم تمكنوا من كسب أميركا إلى صفوفهم وإحداث انشقاق في التلاحم الأميركي الإسرائيلي وهم يبررون الصفقات المعلنة والخفيّة التي في أذهانهم. يريدون تهيئة الأرضية لتبرير الصفقات من أجل البقاء في السلطة ومن أجل جني القدر الضخم من الأموال.

رجال طهران يراهنون على إجبار دونالد ترامب لبعض دول مجلس التعاون الخليجي على دفع فاتورة التعويضات التي تطالب بها إيران، وهم يبنون تفكيرهم على قاعدة أن القاسم المشترك بين إيران وإسرائيل هو السعي لتقزيم الوزن العربي في الشرق الأوسط. يريدون إحياء تلك العلاقة التهادنية التاريخية بين الفرس واليهود كاستراتيجية للشرق الأوسط الجديد.

لن يتخلى رجال طهران عن اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية مع كل من الصين وروسيا لأن لا حاجة بهم إلى الاستغناء عن هذين الشريكين المهمين لهم عسكرياً واقتصادياً وكسند في النفوذ الإقليمي. الفكرة بسيطة في حساباتهم وهي أن تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحدها الشريك الاستراتيجي للدول الكبرى في الشرق الأوسط.

معظم القيادات الخليجية العربية استبقت المفاجآت والاعتباطية وبنت علاقات مع الصين وروسيا وأوروبا استعداداً لها. لكن العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية تبقى أساساً استراتيجياً للدول العربية الخليجية مهما نوّعت في العلاقات. واليوم تجد هذه الدول نفسها أمام مراجعة ضرورية لاحتمال الانقلاب الأميركي الإيراني في موازين القوى، كما لاحتمال تلقي المزيد من الانتقام الإيراني منها في حال الفشل في النقلة النوعية في العلاقات الأميركية الإيرانية بعد محطة إسلام آباد.

الوفد الإيراني إلى محادثات إسلام آباد ترأسه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وهو الرجل الذي أشرف على القمع الدموي للمتظاهرين في إيران الذين وعدهم دونالد ترامب بنصرتهم. يمكن لترامب أن يقول لهم إنه دمّر قدرات إيران العسكرية، وسحق الصف الأول من القيادة الإيرانية بشراكة مع إسرائيل، وقلّص قدرات النظام على الاستمرار في البطش، وبالتالي سهّل أمامهم إمكانية تغيير النظام.

لكن تأهيله للحرس الثوري قائداً "عقلانياً" لإيران - بحسب وصفه - إنما يخوّن وعده للمعارضة الإيرانية ويضعه أيضاً أمام مفاجآت متوقعة وهي رفض رجال النظام الجدد التخلي عن الأسس الرئيسية لعقيدة النظام النووية والصاروخية وتلك المتعلقة بالوكلاء.

ولكن إغراءات المال والاعتراف الأميركي بشرعية رجال الحكم في طهران قد تؤدي برجال النظام الجدد إلى التأقلم هنا وهناك. فهم يتقنون فنون المماطلة والبازار.