.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لنعد إلى 633 ميلادية، إلى أول معركة بين العرب المسلمين والأمبراطورية الساسانية الفارسية. تواجه الجيشان في كاظمة شمال الكويت، فحشد العرب 18 ألفاً، فيما لم يقل عدد الفرس عن 25 ألفاً.
بدأت المعركة بمبارزة ثنائية بين خالد بن الوليد، قائد العرب، وهرمز، حاكم العراق وقائد الجيش الفارسي آنذاك، فكانت الغلبة للرجل العربي. وبينما لم يكن من المفترض بذلك أن يعني بالضرورة هزيمة الجيش الفارسي، فإن الـ25 ألفاً انهاروا بالفعل، وتكبّدوا هزيمة نكراء، إذ قُتل منهم العدد الكبير، بينما غرق بعضهم في مستنقعات كاظمة.
والسبب محزن في الحقيقة.
فقد كان هرمز قد كبّل أقدام جنوده بالسلاسل -ومن هنا جاءت تسميتها بـ"معركة ذات السلاسل"- كما لو كانوا عبيداً مسلوبي الإرادة، أو بهائم محدودي الذكاء، وذلك ليضمن عدم فرار أي منهم، وقتالهم حتى الموت دفاعاً عن الأمبراطورية. ولكن السلاسل التي وثّقتهم خدمة لمصالح قائدهم سرعان ما انقلبت ضدهم، إذ جعلت حركتهم ثقيلة ومتعبة أمام مناورات خصومهم العرب، حتى سهلت الإطاحة بهم.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فيبدو بأن تكبيل الإيرانيين البسطاء، وتركهم فريسة لا حول لها ولا قوة، هو تقليد ساساني متوارث. فما أن أزفت "ساعة الصفر" التي تنتهي معها مهلة دونالد ترامب لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز، حتى قام "هرمز العصر" يجبر المستضعفين على مواجهة العدو حتى هلاكهم الحتمي.
متحدثاً بلسان نظام الملالي، دعا التلفزيون الإيراني المواطنين لتشكيل سلاسل بشرية من حول منشآت الطاقة وعلى الجسور الحيوية التي كان متوقعاً تعرضها لضربات أميركية عنيفة. وشارك أيضاً -للمفارقة- علي رضا رحيمي، أمين المجلس الأعلى للشباب والناشئين في إيران، إذ راح يطالب الشباب خصيصاً بالتضحية بـ"صبّارة شبابهم" تحت القصف المرتقب.
ويُقال عموماً إنه لمّا كانت الاستجابة شبه معدومة من الشعب الذي لم يرد أن تفنى سلاسله البشرية كما أُفني أجداده في كاظمة، فقد أرغمت بعض تلك المنشآت موظفيها المغلوبين على أمرهم على التظاهر. ولا أدري إن تم احتسابها -على الأقل- كساعات عمل مدفوعة الأجر.
حاولت حينها النظر بعيون المقاتلين العرب في "ذات السلاسل"، والتفكير بعقولهم، فبدا لي مستحيلاً أنهم شهدوا تكبيل الجنود الفرس كالمساجين، واسترخاص هرمز لأرواحهم البشرية، دون أن يدركوا أن الأمبراطورية الساسانية كانت تعرّي أمامهم خوفها وقنوطها وقلة حيلتها. ومن المؤكد أن ذلك حفزهم لسحقها.
أما بعد 13 قرناً، فالعرب يشهدون الفضيحة المجلجلة للسلاسل البشرية الإيرانية -والجلجلة صوت السلاسل المعدنية، لا سلاسل اللحم والدم-، ويظلون مقتنعين بأن النظام الإيراني بخير، وبأن دعواته لمواطنيه للموت حرقاً ونسفاً لا تعكس كونه في أقصى مراحل اليأس والانكسار. بل يرفع هؤلاء العرب ذراع النظام الإيراني في الحلبة باعتباره من خرج منتصراً، حتى بعدما فُقئت عيناه وحُطمت أسنانه وشُوّهت ملامحه إلى حد يصعب معه التعرف عليه.
يا للعجب...