نصر بلا منتصر وهزيمة لا يعترف بها أحد

كتاب النهار 10-04-2026 | 04:20
نصر بلا منتصر وهزيمة لا يعترف بها أحد
في عالم يتشكل على إيقاع أزمات متلاحقة، قد يكون هذا هو التعريف الجديد للنصر، أن تتوقف قبل أن تنهار، لا أن تنتصر بشكل كامل.
نصر بلا منتصر وهزيمة لا يعترف بها أحد
امرأة تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، في طهران في 8 أبريل 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في لحظات التحول الكبرى، لا تكمن أهمية الحدث في ما يُعلن عنه، بل في ما يكشفه من حدود القوة وحدود العجز في آن واحد. اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، الذي أُعلن عنه منذ ساعات، لا يمكن قراءته باعتباره نهاية حرب قصيرة، ولا حتى بوصفه تسوية مؤقتة، بل هو لحظة مكثفة تختصر طبيعة الصراع ذاته، صراع بلا حسم، ونصر بلا منتصر، وهزيمة لا يعترف بها أحد.

لغة النصر

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن كل طرف سارع إلى كتابة روايته الخاصة. في واشنطن، تحدث دونالد ترامب بلغة النصر الكامل، مؤكداً أن العمليات العسكرية حققت أهدافها، وأن وقف إطلاق النار جاء بعد أن "استعادت الولايات المتحدة الردع". وفي طهران، لم تكن اللغة أقل حسماً، إذ أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي أن ما جرى هو انتصار إيراني، وأن الولايات المتحدة اضطرت إلى القبول بشروط كانت ترفضها قبل أسابيع فقط. بين هاتين الروايتين، لا يكمن الخلاف في التفاصيل بقدر ما يكمن في تعريف ما حدث، هل هو إنهاء ناجح لعملية عسكرية محدودة، أم اعتراف ضمني بتوازن قوة جديد؟

الواقع، كما تكشفه الوقائع، يقع في منطقة رمادية بين السرديتين. الحرب التي استمرت لأسابيع لم تنتهِ بحسم عسكري واضح. لم تُسقط الولايات المتحدة النظام الإيراني، ولم تتمكن إيران من فرض معادلة ردع كاملة. ومع ذلك، لم يكن وقف إطلاق النار خياراً طوعياً بقدر ما كان استجابة لحقيقة أكثر صلابة، استمرار الحرب كان سيؤدي إلى كلفة أعلى بكثير من أي مكسب محتمل. هنا تحديداً، تظهر الطبيعة الحقيقية للاتفاق، ليس سلاماً، بل توقفاً اضطرارياً.

الاختلاف بين النسختين الإنكليزية والفارسية للاتفاق ليس مجرد اختلاف في الصياغة، بل هو انعكاس مباشر لهذا التوازن الهش. الرواية الأميركية تركز على أن إيران قدمت مبادرة تفاوضية، وأن واشنطن قبلت بها كإطار للنقاش، دون الالتزام الكامل بمضمونها. أما الرواية الإيرانية فتذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن هذه المبادرة تحولت إلى أساس ملزم، وأن الولايات المتحدة وافقت فعلياً على مناقشة ملفات كانت ترفض إدراجها، وعلى رأسها رفع العقوبات ودورها الإقليمي.

بين هذين التصورين، يمكن القول إن النسخة الأميركية أدق في توصيف ما تحقق ميدانياً، بينما تعكس النسخة الإيرانية بدقة أكبر ما تسعى طهران إلى تثبيته سياسياً. فمجرد انتقال الولايات المتحدة من موقع الرفض إلى موقع التفاوض على أساس طرح إيراني، حتى وإن كان جزئياً، يمثل في حد ذاته تحولاً مهماً في قواعد اللعبة. إنه ليس انتصاراً إيرانياً كاملاً، لكنه بالتأكيد ليس هزيمة.
الأساس... هرمز
غير أن النقطة الأكثر حساسية في هذا الاتفاق لا تتعلق باللغة أو الصياغة، بل بالجغرافيا، وتحديداً مضيق هرمز. فهذا الممر البحري، الذي لطالما كان في قلب التوترات، تحول في هذه الجولة إلى مفتاح الاتفاق نفسه. بالنسبة لواشنطن، كان ضمان حرية الملاحة شرطاً أساسياً لوقف العمليات. وبالنسبة لطهران، كان هرمز الورقة الأهم التي تملكها، ليس فقط كأداة ضغط، بل كرمز للسيادة والنفوذ الإقليمي.

ما يبدو أنه تم التوصل إليه هو صيغة وسط، فتح المضيق أمام الملاحة، ولكن ضمن ترتيبات تعترف، بشكل أو بآخر، بالدور الإيراني في تأمينه أو التأثير عليه. هذه النقطة، على بساطتها الظاهرية، تحمل دلالات عميقة. فهي تعني أن السؤال لم يعد ما إذا كانت إيران قادرة على إغلاق المضيق، بل أصبح من يملك حق تنظيم المرور فيه. وهذا تحول من منطق التهديد إلى منطق الإدارة، ومن صراع على التعطيل إلى تفاوض على النفوذ.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن "منتصر" أو "مهزوم" تبسيطاً مخلاً. ما تحقق هو انتصار تكتيكي للطرفين، وهزيمة استراتيجية مؤجلة لهما معاً. الولايات المتحدة نجحت في إظهار قدرتها على الضرب والردع، لكنها لم تتمكن من فرض شروطها النهائية. وإيران أثبتت قدرتها على الصمود وفرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه، لكنها لم تحصل على المكاسب التي تسعى إليها، وعلى رأسها رفع العقوبات بشكل كامل.

الأهم من ذلك أن هذا الاتفاق لا يغلق الصراع، بل يعيد صياغته. فهو لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجل انفجارها. المفاوضات التي يُفترض أن تتبع وقف إطلاق النار ستحدد ما إذا كان هذا التوقف سيتحول إلى مسار تسوية، أم إلى هدنة قصيرة تسبق جولة أكثر تعقيداً. وفي الحالتين، فإن ما تغير بالفعل هو طبيعة التوازن: لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها بشكل أحادي، ولم تعد إيران في موقع يمكن تجاهله أو احتواؤه بسهولة.

ربما يكون العنوان الأدق لما جرى هو أن الجميع ربح شيئاً وخسر أشياءً أكبر. ربحوا القدرة على تجنب الأسوأ، وخسروا إمكانية الحسم. وفي عالم يتشكل على إيقاع أزمات متلاحقة، قد يكون هذا هو التعريف الجديد للنصر، أن تتوقف قبل أن تنهار، لا أن تنتصر بشكل كامل.

اتفاق وقف إطلاق النار لا يجيب عن سؤال من انتصر، بقدر ما يطرح سؤالاً أكثر عمقاً، هل نحن أمام بداية نظام إقليمي جديد تُعاد فيه صياغة موازين القوة، أم أمام مجرد استراحة قصيرة في صراع لم يصل بعد إلى ذروته؟ الإجابة، على الأرجح، لم تُكتب بعد.