إذ يشبّهون ترامب بالسيد المسيح، فهل يبشّرون بصلبه؟

كتاب النهار 05-04-2026 | 06:40
إذ يشبّهون ترامب بالسيد المسيح، فهل يبشّرون بصلبه؟
إن كان أنصار ترامب قد أحبوا تشبيهه بالسيد المسيح، فمن الذي سيصلبه سياسياً لو فشل؟ الأرجح أن الجواب لن يأتي من خصومه التقليديين وحدهم، بل من المعسكر الذي أوصله، ومن المأزق الذي صنعه بيده...
إذ يشبّهون ترامب بالسيد المسيح، فهل يبشّرون بصلبه؟
لا يكمن الخطر الرئيسي على ترامب في الهزيمة، بل في “النجاح” الناقص. (أ ف ب)
Smaller Bigger

إبان غداء عيد الفصح بالبيت الأبيض في الأول من نيسان/ أبريل، شبّهت باولا وايت-كين، المستشارة الدينية ترامب بالسيد المسيح في معاناة "الرب المخلص" من "عذابات" و"خيانة"، و"تهم زور".

في السياسة الأميركية، لا تعيش الاستعارات طويلاً في السماء، بل سرعان ما تهبط إلى الأرض! حيث تحكمها المصالح، وتختبرها الوقائع، ثم تفترسها النتائج. وحين يُستعار قاموس الخلاص الديني لوصف رئيسٍ يواجه أزمةً دولية مفتوحة، لا يعود السؤال عن البلاغة، بل عن المصير.

فإن كان أنصار ترامب قد أحبوا تشبيهه بالسيد المسيح، فمن الذي سيصلبه سياسياً لو فشل؟ الأرجح أن الجواب لن يأتي من خصومه التقليديين وحدهم، بل من المعسكر الذي أوصله، ومن المأزق الذي صنعه بيده، ومن الحرب التي تبتلع صاحبها كما ابتلعت كثيرين قبله.

وإذ تعتدي إيران يومياً بشكلٍ سافر وإجرامي على دول الخليج العربي، يصبح هرمز هو أداتها الكبرى.

تصرف ترامب، من منطق أن طهران تقف على بعد خطوات من الاستسلام، لأنها لا يمكن أن تغامر بإغلاق شريانها الحيوي هرمز، لكنها فعلت عملياً!

وسرعان ما اكتشف الرجل أنه دخل حرباً لا يملك إغلاقها. فالنزاعات التي تمس وجود الأنظمة الشمولية في الشرق الأوسط لا تُحسم بالعدّ التنازلي، بل بمنطق البقاء.

وما دام المطلوب من النظام الإيراني، تقليص أدوات ردعه الحيوية، فإن الضغط لا يفتح باب التسوية، بقدر ما يغلقه.

فالثقة سلعة نادرة لدى الأنظمة العقائدية في الشرق الأوسط. والإكراه العسكري الأميركي ما لم يُنتج استسلاماً سريعاً، فإنه يدفع نحو استعصاءٍ مديد.

من هنا يبدأ المأزق الحقيقي. ولا يحتاج نظام الملالي الى نصرٍ عسكري لإفساد خطة ترامب؛ بل يكفيه رفع التكلفة، وإطالة الزمن، ونقل المواجهة الى ساحة الأسواق الدولية والممرات البحرية... فيتخبط ترامب أكثر فأكثر!

وحين يقول ترامب إن "من يحتاج النفط عليه أن يفتح المضيق"، فإنه يقوّي موقف إيران، ويضع العواصم المستميتة المستوردة للنفط، في موقعٍ ضعيف جداً أمام إيران، التي لطالما حاولت فرض هيمنتها على هرمز!

ثم كيف لهذه الدول أن تغامر بدور الشرطي في الخليج، تحت القصف الأميركي والإسرائيلي والإيراني المتبادل؟ وبعد، فمن يحرس يسيطر ويفرض!

إنه فيلم سوريالي بحق! لا يصدق أحد أن ترامب مستعد للتخلي عن نفوذ أميركا في الشرق الأوسط ليفوض أمنه الى توافقٍ دولي بين الصين واليابان وأوروبا مع إيران!

فهذا المنطق يتعارض جوهرياً مع جعل "أميركا عظيمة"! فهل تختار أميركا التخلي عن أحد الأعمدة المعتمدة لسياستها في الشرق الأوسط لمصلحة أمن إسرائيل؟

هنا تنقلب المعادلة على صاحبها. فما يبدأ في واشنطن كسياسة "ضغط على شريان إيران"، ينتهي سريعاً كأزمةٍ عنوانها "إستقرار السوق" و"منع الانفجار"، والتخلي عن دور أميركا في الخليج، ليصير هرمز هو مركز الثقل، وتتراجع الأهداف القصوى لترامب لمصلحة صيغ الحد الأدنى: احتواء، وقف تصعيد، ترتيباتٍ موقتة، ومخارج تحفظ ماء الوجه.

لكن من منطق الأزمة ذاته، يتم التورط البري تدريجاً. فإذا واصل ترامب التصعيد من دون مخرجٍ تفاوضي موثوق، فسيجد نفسه مدفوعاً نحو التورط البري. يبدأ بقواتٍ خاصة، ثم فرق إسناد، ثم عملياتٍ خاصة، ثم انتشارٍ دفاعي، ثم حضورٍ ميداني وتمركز، يتجاوز هدفه المعلن. وطالما لم تستسلم إيران سيتوسع بنك الأهداف.

الحرب سهلة في الخرائط، عسيرة فوق التراب. وهذا هو الفخ الذي طالما عرفت به الحروب الأميركية في الشرق الأوسط: وعود بالحسم ثم تنتهي بواقع التورط على الأرض. وتصبح الحملة "العقابية النظيفة" التزاماً ميدانياً لا يعترف بخطاباتٍ ولا بانتخابات. وتصبح لغة ترامب ذاته عبئاً عليه.

والرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على السخرية من "الحروب الغبية" لأسلافه، يكتشف أن التصعيد غير المحسوب يعيده إلى الباب ذاته الذي وعد جمهوره بإغلاقه. تستنزف الحروب المفتوحة الدول العظمى، وتبدد رأسمالها السياسي.

عندها سيجرد المنتقمون الحقيقيون أسلحتهم. لن يكونوا جنرالات طهران، ولا جنوداً في خرج، بل من شركاء ترامب في الداخل الأميركي.

ثمة تيار واسع بين المحافظين لا يرى في هذه الحرب خدمةً لمشروع "أميركا عظيمة"، بل يراه مشروع استنزاف. يقولون إن ترامب خان عهده كرئيسٍ وعد بقبضةٍ صلبة، لا بمستنقعٍ جديد. وسينضم إليهم، بالطبع، خصومه الديموقراطيون، والمؤسسة الإعلامية، وقطاعات من الجمهور المتعب من المغامرات الخارجية.

لا يكمن الخطر الرئيسي على ترامب في الهزيمة، بل في "النجاح" الناقص. ولا يحاسب الناخب الأميركي الرئيس على الخرائط، بل على الفاتورة: القتلى، الإنفاق، الاضطراب النفطي، الأسواق القلقة، والوعود المنكسرة. وفي السياسة الأميركية، لطالما تفشّت بقعة لتصير معركةً داخلية كاملة.

حتى الآن، قدم ترامب 12 سبباً متناقضاً لهذه الحرب، وحدد العديد من "المواعيد النهائية" المتحركة، وأطلق العديد من التهديدات الغائمة. وبهذا، لا يخدع ترامب خصومه بل إنه يربك حلفاءه ويرفع تكلفة التراجع. وحين يصبح الرئيس أسير صورته، يميل إلى التصعيد كي لا يبدو متراجعاً، لا لأن التصعيد هو الخيار الأنجع، بل خدمةً لهيبة الخطاب.

وبدورها، تتدحرج إيران المنكسرة الضعيفة، نحو خرابٍ شامل تحت وطأة مغامراتٍ عقائدية حمقاء، لتضحي بشعبها في مقابل "صمود النظام" لتزيد وطأة عدم اليقين في صلبها. وتلك أيضاً وصفة قديمة لسوء الحساب.

يرجح حالياً النزول الأميركي على الأرض، ولكنه يبدو المسار الأقصر نحو الأزمة الداخلية! إذ لن يفضي الى نصرٍ أميركي نظيف إطلاقاً، بل سيضرب ترامب في مركز توازنه السياسي.

إذ يكتشف ترامب الآن أن الطريق إلى الحرب لا يمر عبر الخليج فحسب، بل عبر واشنطن أيضاً.

فحين يصير التصعيد والنصر الناقص عبئاً استراتيجياً وأخلاقياَ وانتخابياً، سيصلبه على صليب الأزمة، خصومه الليبراليون وحلفاؤه في الـ MAGA.

لا تعرف السياسة الهدايا المجانية. ولا يكفي توظيف النفاق الديني لصناعة القدر. من يرفع نفسه إلى مقام الخلاص، فإنه يرفع معه سقف الحساب.

وإذ يخرج حلفاء ترامب وجنرالاته مبتعدين، يتشجع خصومه ويتشرنق أنصاره في مواجهة القوى التي اعتبرها ترامب يوماً، خندقه الخلفي. فسيمضي نحو تآكلٍ داخلي بطيء.

عندئذ لن يكون السؤال كيف شبهته "كين" بالمسيح، بل كيف انتهى الأمر به معلقاً على صليب السياسة.