.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
غيّرتُ القناةَ هرباً من أخبار الحرب السلبية، لأفاجأ بعودة "ذا فويس كيدز"، أشهر برامج اكتشاف مواهب الأطفال الغنائية في وطننا العربي، والذي ما انفك يثير الجدل منذ موسمه الأول.
الرأي الأكثر شيوعاً وتردداً حولي هو أن الأطفال لن يقووا على انتقادات أو تشكيك أو رفض لجنة التحكيم لهم، ولن يتصبّروا على تبعات الخسارة، ناهيك بفواجع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بإمكان كلمة يرسل بها أحد المتحاملين أو المختلّين نفسياً أن تدمّر الطفل منهم.
وبينما أتفق، فما بال أحد لا يخشى عليهم بالتوازي من "فاتورة" المديح والإشادة؟ وما بال أحد لا يتساءل إن كان الطفل "يتحمّل" أن يوضع على خشبة المسرح المرتفعة، وأن تُسلّط عليه الأضواء الباهرة، وأن يُخبر، على مرأى من العالم، بأنه موهوب ورائع ومميز، ويفوق أقرانه الذين تشبه أصواتهم جرّ قطع الطبشور على السبورة؟
لسبب غريب، فما أن أشاهد "ذا فويس كيدز" حتى أتذكّر حادثة للكاتب اللبناني الراحل سعيد تقي الدين.
في 1923، ألّف تقي الدين مسرحيته الأولى "لولا المحامي"، التي نجحت باقتدار، وظلّت تُمثّل لسنوات في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق وأميركا الجنوبية. وشرع ابن بلدة بعقلين حينها في التحضير لمسرحية ثانية، ولكن شاء القدر أن يلتقي في بيروت بالمفكّر والأديب الكبير أمين الريحاني، الذي أراد إطراءه -سامحه الله- فحيّاه قائلاً "أهلاً بالنابغة".
ويعترف تقي الدين: "خرجت مبنّجاً بـ"أهلا بالنابغة". مورفين أنامني سنة كاملة من غير إنتاج أدبي، إذ رجعت عن خطة تأليف المسرحية الثانية. سنة من العمر أضاعتها عبارة مديح". بل يسأل الرجل نفسه ساخراً، "ما تبقى من الأدب يا سعيد وقد دعاك أمين الريحاني ’نابغة‘؟".
المعلومة التي تهمّكم هو أنه عند ذلك اللقاء كان تقي الدين في الـ18 أو الـ19 من عمره. لا، لم يكن طفلاً مثل أولئك الذين ترونهم يلفّون أصابعهم الضئيلة حول ميكروفون "ذا فويس كيدز"، ولكنه كان مراهقاً بالكاد بلغ سن الرشد. لا، لم يكن طفلاً، ولكن بعثرته كلمة: نابغة، فما بالكم بمن هم أصغر منه عمراً، وأقلّ منه وعياً، حين ستصفق لهم الحشود، وستقف لهم لجنة التحكيم انبهاراً؟
ما الداعي لحقن الأطفال بما وصفه تقي الدين بـ"المورفين"، وهو أخطر من أيّ نقد أو تهجّم؟ ما الضرورة لتدشين مسيراتهم الفنية، بما سيكتنفها من ثناء وإعجاب ومبالغات، في مرحلة عمرية لن يعرفوا فيها كيفية التعامل مع الظاهرة؟ ألا نخشى عليهم من الكسل والتراخي والغرور والاحتراق المبكر، ومن ضياع السنين -كما حصل لتقي الدين- في الهباء؟
والأسوأ هو أن الإطراء يجعل بعض الأطفال يقلقون بشدّة من الإخفاق وعدم تلبية التوقعات، ويخافون فقدان هذه "الحظوة"، فيتهيّبون بعد ذلك الإقدام وخوض التحديات. فكيف للفنان الطفل بربكم أن يواصل المشوار إن كان مثقلاً بهذه الهواجس؟
ارحموهم أرجوكم.