في زمن انتحال الصفة... ماذا يبقى من الإعلام؟
لطالما أثار فادي أبو دية لغطاً بمداخلاته المثيرة اللجدل في الإعلام ووسائل التواصل (ومثله كثيرون في المعسكرين اللبنانيين المتنابذين). الناشط الممانع الذي ينسب نفسه إلى عالم الإعلام ويعتمد لهجة قاسية لا تخلو من تهديد ووعيد ذهب بعيداً هذه المرة مروجاً لشرعية إطلاق إيران صواريخ على الجامعة الأميركية في بيروت، ومعتبراً ضمناً أن طلاب الجامعة ليسوا أفضل من الطلاب الإيرانيين الذين قتلتهم الطائرات الأميركية في مدرسة في جنوب إيران بداية الحرب. حتى محور الممانعة الذي كان يعتبر أبو دية إعلامياً مقاوماً ويتبنى خطابه، لم يتحمل كلامه فسارع إعلاميوه وناشطوه والمقربون منه إلى التبرؤ منه ومن كلامه.
الواقعة التي هي نموذج يتكرر يومياً وليست متعلقة بأبو دية وحده، تطرح بإلحاح مشكلة خطيرة باتت تهدد السلم الأهلي بشكل جدي هي مشكلة إنفلات الألسنة في الإعلام التقليدي وفي "السوشال ميديا" بلا حسيب أو رقيب. موتورون من كل المشارب، "سياديون وممانعون"، أو محسوبون على الطرفين أو مقربون منهما، يفرغون على الشاشات أحقاداً وأفكاراً وتهديدات وهذياناً طائفياً ومذهبياً مدمراً في وقت يقف البلد على كف عفريت.
فمنذ أن أصبحت المجاهرة بالتعصب الطائفي والمذهبي تشكل عنوان انتماء في لبنان وهوية شبه عنصرية، اختلطت المفاهيم وتاهت المصطلحات وانقلبت القيم رأساً على عقب. وفي بحر الفوضى الغامر البلد كله والخطر المحدق، تدور حروب أهله السخيفة والعنيفة على الشاشات وفي الأثير. العنف الإعلامي المتبادل تخطى كل الحدود ليخوض في الأعراض والأمراض والإعاقات والآباء والأمهات والأخوات والعائلات والمقدسات والأنبياء والأولياء من دون أي رادع قانوني أو أخلاقي.
المسألة تثير سؤالاً جوهرياً عمن هو الإعلامي؟ واستطراداً هل كل من ظهر على شاشة، أياً كان حجمها وشكلها، هو إعلامي ومن أعطاه الحق ليسمي نفسه إعلاميأ، أو من أباح لموقع منتحل صفة على الأنترنت أن يوزع الألقاب المهنية على كل من هب ودب؟
إذا كانت الدولة، بوزارة إعلامها وقضائها ومجلس إعلامها (الوطني) الهرم، عاجزة عن ضبط الواقع الإعلامي، كما هي عاجزة عن ضبط أي شيء في البلد، فلا ينتظرنّ أحد زوال هذه الموجة الهوجاء. تهدأ العاصفة قليلاً ثم يطل واحد من هنا وآخر من هناك ينطقان فتنة ويدعوان جهراً إلى حرب أهلية فيما مضيفهما أو مضيفتهما تدعي مفاجأتها بما يقولانه (ضاحكة مسرورة)، وهي في الحقيقة استضافتهما من أجل أن يقولا هذا الكلام وقد حرضتهما عليه.
إنه عار الإعلام، ما نشاهده ونسمعه من تفلت هو أخطر من تفلت السلاح. عار المؤسسات وعار الأدعياء وعار الدولة الصامتة. ليس ذلك حرية إعلام على الإطلاق، الحرية ليست نقيضاً للأخلاق والمسؤولية الوطنية، لا سيما في الحروب والمحطات المصيرية.
في العودة إلى المفاهيم، الإعلامي هو الذي يعلَم ويعلِم الجمهور عبر وسيلة اتصال معروفة ومعترف بها أو يشرح ويحلل ويربط الوقائع بعضها ببعض للوصول إلى استنتاجات منطقية. الإعلام مهنة لها أصولها وأخلاقها وضوابطها، وهي بالتاكيد ليست مهنة من لا مهنة له ولا مهنة منتحلي الصفة الذين وطأوها بلا إعداد أكاديمي ومهني وأخلاقي مستغلين غياب القانون الناظم وضعف السلطة الرسمية أمام قوى الأمر الواقع وسطوة وسائل الإعلام على الفضاء العام للبلد.
تتطلب مهنة الإعلامي البحث عن المعلومة والتحقق منها قبل نشرها أو بثها واعتماد الموضوعية، والأهم، التزام المصلحة الوطنية، لا المصالح الفئوية، لا سيما في أوقات الحروب والفتن. لكن الواقع أن تجاراً وطامحين إلى مواقع ومهووسين بالشهرة وهواة إعلام اقتحموا هذا العالم الحساس بمالهم، أو مال غيرهم، وأنشأوا مفاهيم جديدة للإعلام مخالفة للأصول المهنية الحقيقية، حتى لكادت هذه المفاهيم تصبح هي السائدة وبات لقب إعلامي يسبغ على أي متكلم يظهر على شاشة تلفزيون أو شاشة هاتف، أيا كان الخطاب الذي يتفوه به، حاصداً إعجابات طائفته أو حزبه وشتائم خصومه. أما من يسمون أنفسهم محللين وكتاباً وباحثين واستراتيجيين وما شابه من تسميات "مهيبة" فحكايتهم حكاية أخرى.
هكذا انكفأ الإعلام الحقيقي حتى بدا للعامة كأن الإعلام هو هذا "المسخ" الذي يخضعون له وأن رواده هم ثلة المحرضين الإلغائيين المرتفعي الصوت المتنقلين من شاشة إلى شاشة أخرى ساعية وراء التراند والإثارة.
الادعاء على بعض هؤلاء قضائياً يفتح الباب أمام لجم هذه الظاهرة، شرط أن لا تدخل السياسة ووساطاتها على الخط ، لكن الحل النهائي ما زال بعيداً طالما لا نص قانونياً واضحاً يضبط الانفلاش الفوضوي الضارب أطنابه.
نبض