.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في أوقات الشدة، تختبر الروابط وتنجلي الحقائق. ملأت الحرب بين أميركا وإسرائيل وإيران سماء الشرق الأوسط بسحب الدخان، فاختلطت أوراق السياسة بضجيج أهل الهوى. وفي خضم العاصفة، غرقت أصوات محسوبة على مصر وأخرى خليجية، في وحل الانفعال عبر منصات التواصل الاجتماعي، تبادلوا تهم "التقاعس" و"التخلّي" في مشهد سوريالي، يستبدل الأوهام بالحقائق، ويشكل "انتحاراً جيوسياسياً" للعرب أجمعين.
أوجد الاستهداف الإيراني السافر "قلقاً مشروعاً ومفهوماً" لدى دول الخليج، فانبرت أصوات غاضبة، متهمة مصر بالتقاعس عن نصرة هذه الدول "التي لم تتأخر عن مساعدتها"، عقب أزمات "الربيع العربي"، وطالبوها برد الجميل بل بالتدخل عسكرياً، بينما أبدت أصوات مصرية رفضها الانجرار إلى صراع تعدّ إسرائيل أحد محركاته، حتى لا تبدو القاهرة مناصرة لتل أبيب، وتوارت الحقيقة وراء الدخان.
حتمية جغرافيّة
من يقرأ التاريخ بعيني خبير، يدرك أن العلاقة بين قاهرة المعز وعواصم الخليج ليست مجرد معاهدات حبر على ورق، بل حتمية جغرافية، وضرورة وجودية، وشرايين متداخلة لا تقبل القسمة على اثنين، حتى لو ظهرت مساحات خلاف في بعض القضايا، وهذا بديهي.
بعض دول الخليج تختلف مع أخرى أحياناً، لاختلاف المصالح والتوجهات، لكنّ الخليجيين والمصريين يظلون قادرين على الاصطفاف في الشدّة والرخاء، مهما علا ضجيج "السوشال ميديا"، سواء من حناجر جاهلة، أو كارهة لعلاقات الجانبين - مثل جماعات "الإخوان" والإسلام السياسي - أو متآمرة عليها، مثل الوحدة الإسرائيلية (8200) التي تشعل الفتن والعداوات بين الشعوب، على مواقع التواصل، فتتظاهر بأنها أصوات عربية من هذا القطر أو ذاك، ناهيك بنشاط مماثل من أجنحة تابعة للمخابرات الإيرانية والإثيوبية وغيرها، لتضخيم الخلافات الافتراضية، وتمزيق آخر حصون المنطقة.
ولتبديد الأوهام، يجب وضع الأيدي على الحقائق، فمنذ اللحظة الأولى، أعلنت مصر، على لسان رئيسها عبد الفتاح السيسي ورئيس وزرائها ووزيري خارجيتها وإعلامها وبرلمانها بمجلسيه النواب والشيوخ، رفضها القاطع وإدانتها أيّ اعتداءات إيرانية على دول الخليج، وأنها "مستعدة لتقديم كل أشكال الدعم والمساندة للأشقاء"، وأن أمن الخليج من أمن مصر. وانخرطت القاهرة في المعركة منذ اليوم الأول، بوساطة مكثفة، بالتعاون مع باكستان وتركيا، من زاوية "هندسة احتواء" الصراع، باعتبار هذا الجهد "خط الدفاع الأول" عن أمن الخليج ومصر، وليس تخلياً عن العهد؛ فالديبلوماسية ليست تقاعساً، والحكمة الاستراتيجية ليست تخاذلاً.
مركز الثقل