اطمئنوا: الأساس متين وليس هنالك من بديل

كتاب النهار 27-03-2026 | 05:00
اطمئنوا: الأساس متين وليس هنالك من بديل
الأوطان ليست مثل الثوب تخلعه عندما تشاء. والثوب ذاك غطّى الجميع وما زال يغطّي الجميع. وليس هنالك من ثوبٍ آخر يصلح للجميع
اطمئنوا: الأساس متين وليس هنالك من بديل
القصف الاسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت.
Smaller Bigger

كان من الطبيعي أن تضطرب ضمائر اللبنانيين في الحرب التي فُرضت عليهم. فُرضت عليهم من الداخل، مع العلم أن تاريخ الاجتياحات الإسرائيلية ودمار القرى والبيوت والجسور، هو تجربة كارثية مع هذا الجوار الجنوبي منذ زمنٍ طويل.

لبنان في حالة حرب شديدة الظلم والسواد، لا الدولة تسببت بها، ولا غالبية التكوين اللبناني موافقة عليها. وقعت هذه الحرب لمصلحة إيرانية ارتبط بها ذلك المكون العسكري الذي بات بكل أسف سمة لبنان في العالم وفي العلاقات الدولية. لبنان هو اليوم، بالنسبة إلى مقرري السياسة الدولية، بلد "حزب الله". هكذا تكلم دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون والاتحاد الأوروبي، ومن استطاع أن يرفع صوته حالياً من العرب، بعدما كانت العلاقات توترت قبل ذلك مع الغالبية العربية بسبب هذا الوضع. 

لكن نتائج هذه الحرب بالذات ذهبت إلى الأساس. وغذّت الطروحات السابقة الدفينة حول الصيغة الجديدة المرتجاة من البعض – ولعلها اليوم تزايدت – التي تحمي الجميع. تحمي ليس التجربة اللبنانية والوفاق، والوطن النهائي لجميع أبنائه، بل الرافضين الباقين، وهم أكثرية المكونات اللبنانية من قرارات أقلية استقوت منذ سنوات. استقوت بالخارج الإيراني وفرضت رأيها وقرارها ليس فقط على سائر اللبنانيين، بل على الدولة أولاً.

ولذلك عادت الهواجس تعصف بالضمائر: هل نحن في حالة انقسام؟ أين الوفاق الذي ارتقى بعد اتفاق الطائف إلى مرتبة دستورية؟ أين نهائية الوطن؟ وإذا كان "حزب الله" يختصر المكون الشيعي، فأين الأصوات الأخرى؟ أين ذلك الصوت الذي كان مشاركاً في أساس التكوين منذ عهد المتصرفية وتحديداً منذ عام ١٨٦١؟ فالطائفة الشيعية مكوّن أساسي، ولكن مثلها مثل سائر الطوائف المكونة للأساس. فلماذا استقوت وفرضت ليس قرارها السياسي والإداري والقضائي على الدولة وعلى سائر اللبنانيين، بل إنها أخذت لبنان كله إلى دائرة الخطر والاجتياح والموت والدمار؟ وبالتالي إذا كان هذا هو الواقع – والوقائع عنيدة – فماذا يفعل الرافضون لهذا الواقع؟ 

هنا استحضرت كلّ الطروحات الماضية والحاضرة، منذ قيام الكيان عام ١٩٢٠ ورسم الحدود مع فلسطين عام ١٩٢٢، إلى الأزمات والحروب اللاحقة والاستقواء المعاكس لأساس التجربة اللبنانية، بإعادة النظر في الأساس. فإذا كان ذلك هو تصرّف البعض، فهل يبقى لبنان وطن الوفاق والتنوع الطائفي الذي لا مثيل له في العالم من حيث تعدد المكونات الدينية والمذهبية؟ هل يبقى ذلك الوطن الرسالة أو يتحول إلى صيغة جديدة مستندة إلى تجارب بعض الدول في الصيغة الاتحادية أقلّه، أو في إعادة النظر جذرياً في ركائز الكيان الذي انبثق منه ذلك النظام، وذلك الدستور منذ عام 1926؟ وإذا كان لبنان بلد الحرية الأول في الشرق، فهل تسمح الحرية بالخراب وتفرّد القرار، وتعريض الوطن كله للتزعزع؟