.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم يعد مضيق جبل طارق مجرد ممرٍ مائيٍّ يربط بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، بل أضحى اليوم مؤشراً يقيس درجة حرارة الاستقرار العالمي، وقد تضاعفت أهميته الجيواستراتيجية في ظل الحرب الجارية في الشرق الأوسط.
هذا الشريان الذي يعبره أكثر من 150 ألف سفينة سنوياً، ويتدفق عبره 80% من احتياجات أوروبا الطاقية والتجارية، يجد نفسه اليوم في قلب معادلة صراعٍ دولي معقدة، تتداخل فيها طموحات "سلاح الموانئ" المغربي مع تهديدات "خنق المضائق" الإيرانية.
استراتيجية استباقية
إن القارئ للمشهد الجيوسياسي يدرك أن أمن مضيق جبل طارق ليس وليد المصادفة، بل هو ثمرة استراتيجيةٍ مغربية استباقية. فالمملكة لم تكتف بكونها دولةً مطلة على المضيق كقدرٍ للجغرافيا، بل حولت ضفتها إلى "ترسانةٍ لوجيستية" عبر ميناء طنجة المتوسط، وقريباً "الناظور غرب المتوسط". هذه القوة الناعمة (الاقتصادية) تدعمها "مخالب حادة" تتمثل في البحرية الملكية التي أثبتت كفاءتها في مناورات "ساركس" والتعاون الوثيق مع حلف الناتو في عملية "حارس البحر". ولعل التدريبات المشتركة بين الفرقاطة المغربية "طارق بن زياد" والفرقاطة الإسبانية "رينا صوفيا" في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، إضافةً إلى القاعدة البريطانية في جبل طارق ومساعي المغرب لتعزيز ترسانته العسكرية البحرية بما في ذلك الغواصات، هي رسالة واضحة لمن يهمه الأمر بكون المضيق محمياً بقوة القانون وبقوة السلاح.
بلطجة المضائق
في المقابل، تبرز استراتيجية إيرانية قائمة على ما سماها الدكتور أنور قرقاش المستشار الديبلوماسي لرئيس دولة الإمارات "بلطجة المضائق". فمنذ تهديدات الحرس الثوري الإيراني عبر العميد محمد رضا نقدي في كانون الأول/ديسمبر 2023 بإغلاق المتوسط وجبل طارق، اتضح أن طهران تسعى إلى نقل نموذج الفوضى من "باب المندب" إلى قلب التجارة العالمية، خصوصاً أن جزءاً من التجارة العالمية انتقل فعلياً من العبور من باب المندب إلى العبور عبر رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب إفريقيا، ويدخل البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق جبل طارق حيث يلعب ميناء طنجة المتوسط دوراً بارزاً في تأمين سلسلة الإمداد العالمية.
إن لجوء إيران الى إغلاق مضيق هرمز وتهديد الممرات البحرية الدولية ليس مجرد ردّ فعل عسكري فحسب، بل هو ابتزاز اقتصادي يهدف الى رفع أكلاف التأمين البحري وإرباك الاقتصاد العالمي، وشكل من أشكال عولمة الحرب للضغط على الرئيس الأميركي. لكن بغض النظر عن مآلات الحرب الجارية، ومدى تأثر الرئيس ترامب من عدمه، بمحاولات طهران جرّ الجميع الى تقاسم أكلاف الحرب، يبقى السؤال، هل تملك إيران فعلياً القدرة على خنق/إغلاق جبل طارق؟
الواقع يقول إن نسبة نجاح التهديد الإيراني لا يمكن أن تتحقق سوى باعتماد "الحرب بالوكالة"، وإيران خبيرة في ذلك. هنا تبرز خطورة التحالف المشبوه بين طهران وجبهة "البوليساريو". فالدعم الإيراني للانفصاليين، الذي كان سبباً في قطع الرباط علاقاتها مع طهران عام 2018، ليس مجرد تفصيلٍ سياسي ودعمٍ عسكري لتنظيمٍ انفصالي، بل هو محاولة لإيجاد "موطئ قدم" على مشارف الأطلسي، تماماً كما فعلت مع الحوثيين في البحر الأحمر. وإيران خبرت أهمية التعاون مع الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة أو تلك التي تتحكم بدولها مثل "حزب الله" في لبنان، الحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن.
رغم أن خطاب "إغلاق جبل طارق" يظل حتى الآن حبيس الدعاية الإعلامية، نظراً الى غياب وجود عسكري إيراني مباشر في المنطقة، إلا أن الاستخفاف بهذه التهديدات سيكون خطأ استراتيجياً.
إن المغرب، بعمقه الاستخباراتي في منطقة الساحل والصحراء ومنطقة غرب إفريقيا وشراكاته المتينة مع الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، بريطانيا والناتو، يدرك أن أي مساسٍ بأمن المضيق هو مساس مباشر بسيادته القومية. إن نجاح المملكة في إدارة تدفقاتٍ سنوية بشرية هائلة تتمثل في زيارة جزءٍ من المهاجرين المغاربة لبلدهم كل صيف (تجاوز الرقم 3 ملايين في عمليات العبور الأخيرة 2024-2025) مع الحفاظ على صرامة المراقبة الأمنية، يثبت أن الرباط هي الحارس الفعلي لهذا الممر المائي.
إن جزءاً معتبراً من أمن الطاقة والتجارة العالمية اليوم، يعتمد على الالتزام المغربي برد التهديدات أياً يكن مصدرها، بحيث يبقى مضيق جبل طارق عصياً على أي تهديدٍ ما دامت هناك دولة بحجم المغرب تدرك أن قدرها هو حماية بوابة التجارة العالمية في غرب المتوسط، وأن أمن الملاحة ليس مجرد مصلحة اقتصادية، بل هو معركة سيادة لا تقبل القسمة على اثنين.