يقظة الخليج وخلايا الظل
الاعتداءات الإيرانية الغادرة على دول الخليج لم تتوقف عند الصواريخ والطائرات المسيّرة. ما يحدث في الخليج يكشف امتداداً آخر للصراع، تعطيل حركة العبور في مضيق هرمز بالتوازي مع محاولات تشغيل شبكات تمويل وتجسّس.
الإعلان عن تفكيك خلايا مرتبطة بـ"حزب الله" والحرس الثوري في أكثر من دولة خليجية، بالتزامن مع استهداف المدن والبنية التحتية، يؤكد أن طهران تراهن على مسار موازٍ للمواجهة المباشرة يستهدف الاقتصاد والأمن الداخلي لرفع الكلفة وفرض إرباك سياسي وأمني على دول المنطقة.
تفكيك جهاز أمن الدولة في الإمارات شبكة ممولة ومدارة من "حزب الله" وإيران تحت غطاء تجاري وهمي ينسجم مع فكرة المسار الموازي الذي تعمل عليه طهران داخل الخليج. استخدام واجهات اقتصادية لغسل الأموال وتمويل أنشطة مرتبطة بالتخريب والتآمر يعني أن الاستهداف لا يمر فقط عبر الصواريخ، بل عبر ضرب الثقة المالية ومحاولة تحويل السوق إلى قناة تمويل وتشغيل. وفي هذا السياق يظهر وزن المقاربة الإماراتية في الأمن الاستباقي والرقابة على الواجهات التجارية التي تُستغل كغطاء للاختراق.
في الكويت، ما أعلنته بيانات وزارة الداخلية تحدثت عن خلايا مرتبطة بـ"حزب الله" خططت لاستهداف منشآت حيوية، وسعت للتخابر مع جهات خارجية وتزويدها بإحداثيات، وتلقت تدريبات خارجية شملت السلاح والطائرات المسيّرة. النتيجة هنا أن الحديث يدور عن تجهيز قدرة تنفيذ داخلية يمكن تشغيلها مع أي تصعيد. وتوالي الإعلان عن خليتين خلال أيام قليلة يوحي بمحاولة بناء أدوات ضغط داخلية تتزامن مع استهداف الخليج بالصواريخ والمسيّرات في الحرب الحالية.
قطر، التي لعبت أدوار وساطة متكررة مع طهران وفتحت قنوات اتصال عند كل أزمة، أعلنت تفكيك خليتين مرتبطتين بالحرس الثوري. خلية كُلّفت بمهام تجسس وجمع معلومات عن منشآت حيوية وعسكرية، وأخرى بمهام تخريب وتلقّت تدريباً على الطائرات المسيّرة. هذه الواقعة توسّع الصورة خارج إطار "حزب الله"، وتثبت أن أدوات إيران في الخليج ليست ذراعاً ولا وظيفة واحدة، بل توزيع أدوار بين الرصد والتمويل والتحضير لعمل تخريبي. كما أنها تضرب فكرة “جسور التواصل” نفسها، لأن استهداف شريك الوساطة بخلايا داخلية يجعل العودة إلى ما قبل الحرب أصعب بكثير.
البحرين تقدّم الخلفية الأمنية لفكرة “خلايا الظل” في صراع إيران مع الخليج. في 2016 أعلنت المنامة تفكيك مجموعة اتُّهمت بتأسيس كيان تحت اسم "حزب الله البحريني" وباتهامات شملت جمع الأموال والتخطيط لأعمال عنف. وبعد نحو عامين توسّعت الملفات مع إحالة 169 متهماً للمحاكمة بتهم تتصل بالانضمام إلى تنظيم إرهابي والتدرب على الأسلحة والمتفجرات، مع إشارات رسمية إلى دعم وتدريب من الحرس الثوري. لهذا جاء قرار دول الخليج عام 2016 بتصنيف "حزب الله" منظمة إرهابية لأسباب وقائية.
في حرب 2026 يعود المعنى نفسه بصورة أكثر مباشرة. ما تكشفه دول الخليج اليوم ينسجم مع وظيفتين متوازيتين لهذه الشبكات. عناصر تُخزَّن لساعة التنفيذ عند التصعيد، وشبكات تعمل بهدوء داخل المجتمع والاقتصاد لجمع المعلومات والتمويل وبناء نفوذ خفي. لذلك تسهم يقظة أجهزة الأمن الخليجية في حماية الجبهة الداخلية من التخريب، وتحصين القرار الوطني من الاختراق.
الوقائع الأخيرة تشرح لماذا تدفع واشنطن باتجاه إدراج أوسع ومنسق للحرس الثوري و"حزب الله" لدى الحلفاء. الهدف أمني وتمويلي، تجفيف التمويل وتضييق الحركة وملاحقة الشبكات التي تعمل تحت واجهات مدنية واقتصادية. وفي لبنان تتضح الكلفة على الدولة نفسها. بيانات رسمية لبنانية أدانت المخططات التي استهدفت الإمارات والكويت، مع الإشارة إلى قرار حكومي في 2 آذار/ مارس 2026 بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب. ومع كل تطور يتأكد أن الحزب لم يعد عبئاً على الخليج فقط، بل عبئاً على لبنان وموقعه وعلاقاته.
الخليج سعى منذ البداية إلى تجنيب المنطقة حرباً مفتوحة، وفتح مسارات تهدئة وتواصل، لكن الوقائع وضعت دوله داخل نطاق الصراع. الاستهداف طال المدن والبنية التحتية، وامتد إلى محاولات تشغيل خلايا داخلية. التجربة أثبتت أن دول الخليج ليست ساحة مفتوحة لهذه الأدوات؛ الضبط الاستباقي، والرقابة المالية، والتنسيق الأمني، كلها قطعت الطريق على تحويل الداخل إلى ورقة ضغط. بعد توقف الحرب أو استمرارها، يبقى المبدأ نفسه. الردع يبدأ من الجبهة الداخلية، والوقاية شرط الاستقرار.
*كاتب إماراتي
نبض