تعاون خليجي لمواجهة المخاطر الإيرانية المتصاعدة

كتاب النهار 24-03-2026 | 04:28
تعاون خليجي لمواجهة المخاطر الإيرانية المتصاعدة

مواجهة تداعيات الاعتداءات الإيرانية هي نصب عينِ قادة دول الخليج العربي، وستكون محل بحث ونقاش صريح وعملاني على طاولة القادة والوزراء ما إن تقف الحرب، لأن المرحلة القادمة ستتطلب مزيداً من العمل المشترك المستمر، والتنسيق الدفاعي عالي المستوى...

تعاون خليجي لمواجهة المخاطر الإيرانية المتصاعدة
من الحياة اليومية على كورنيش أبوظبي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

عندما بدأت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، ردت الجمهورية الإسلامية بتوجيه ضرباتها إلى إسرائيل، لكنها أيضاً وفي اليوم ذاته استهدفت عدة مدن خليجية، لتكون تالياً جميع دول "مجلس التعاون" في مرمى النيران الإيرانية.

هذا السلوك الإيراني العدائي تجاه جيرانها، لا تزال وتيرته التصعيدية مستمرة. ورغم أن مرشد الثورة الجديد مجتبى خامنئي، وعدداً من المسؤولين لا يزالون يتحدثون عن رغبتهم في علاقات حسنة مع دول الخليج، إلا أن هذا الخطاب بات ينظر له باستهجان في الأوساط السياسية الإقليمية، كونه يتنافى مع الواقع الحربي الحالي.

دول الخليج العربي مارست حتى الساعة ما يمكن تسميته "الصبر الاستراتيجي"، من خلال الدفاع عن النفس، والتنسيق المشترك في العمليات الدفاعية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والعسكرية للتصدي للمسيرات الإيرانية والصواريخ البالستية.

بالتوازي مع ذلك، كانت هنالك اتصالات دائمة بين قادة دول "مجلس التعاون" وأيضاً وزراء الخارجية ووزراء الدفاع، فضلاً عن التنسيق الدائم في الدعم اللوجستي وتأمين احتياجات هذه الدول من الغذاء والدواء والمستلزمات الحياتية الأساسية، وهو أمر تم بكفاءة عالية، أدى لتوفر السلع الأساسية وحتى الكمالية بشكل واضح في مختلف المحال التجارية.

دولياً، كان لافتاً القرار الصادر عن مجلس الأمن الرقم 2817 بأغلبية 13 صوتاً، فيما امتنعت كل من روسيا والصين عن التصويت، ولم تصوت أي دولة ضده. وهو خطوة مهمة توفر الغطاء القانوني والسياسي لدول الخليج العربية، حيث أشاد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بـ"الدعم الدولي الذي حظي به القرار والإدانات الدولية لتلك الهجمات الإيرانية الغاشمة والمطالبة بوقفها فوراً دون قيد أو شرط". من جهته اعتبر الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، أن "هذه الإدانة الدولية، التي أتت بإجماع دولي غير مسبوق، هي دليل صارخ على انتهاك إيران للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية والأممية، باستهدافها للمدنيين والأعيان المدنية والبنى التحتية".

القرار الذي صدر في 12  آذار/مارس الجاري، تبعه اجتماع وزاري موسع في العاصمة السعودية الرياض، طالب فيه المجتمعون إيران بـ"الوقف الفوري لاعتداءاتها، واحترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ حسن الجوار، كخطوة أولى نحو إنهاء التصعيد، وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة"، مؤكدين على "تفعيل الديبلوماسية سبيلاً لحل الأزمات".

رغم تأكيد "الاجتماع" على "الديبلوماسية" إلا أن ما حصل أصاب علاقات دول "المجلس" مع إيران بصدعٍ كبير، حيث أصبحت "الثقة" معدومة بين الضفتين، وهذا سببه أن إيران "خططت بشكل مسبق لما نشهده اليوم من اعتداءات آثمة، فهذا السلوك ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لسجل تاريخي قائم على نهج الابتزاز ورعاية الميليشيات ودعمها لاستهداف دول الجوار وزعزعة استقرارها" وفق ما جاء في المؤتمر الصحافي للأمير فيصل بن فرحان، عقب الاجتماع الوزاري.

إن غياب الثقة لم يكن بسبب عدم رغبة دول الخليج العربية في علاقات حسنة مع إيران، وإنما نتيجة الاعتداءات الإيرانية التي طالت أهدافاً مدنية وسياحية واقتصادية ونفطية، وأضرت بسلامة المواطنين والمقيمين، وهو ما دفع دولة الإمارات العربية المتحدة إلى إغلاق سفارتها وسحب سفيرها من إيران في 1 آذار/مارس الجاري، في خطوة اعتبرتها الخارجية الإماراتية أنها تأتي "تجسيداً لموقف الدولة الثابت والحازم في رفض أي اعتداء يمسّ أمنها وسيادتها، وفي ظلّ استمرار النهج العدواني والاستفزازي الذي يُقوّض فرص التهدئة".

السعودية من جهتها، أعلنت في 21 آذار أنها "قامت بإشعار كل من الملحق العسكري بسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى المملكة ومساعد الملحق العسكري بالسفارة، وثلاثة أشخاص من أعضاء طاقم البعثة بمغادرة المملكة واعتبارهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم، وأن عليهم مغادرة المملكة خلال 24 ساعة".

الخطوات الديبلوماسية هذه إحدى أدوات الضغط الخليجي، التي تهدف إلى وضع حد للأعمال العدائية الإيرانية، ورسالة تشير بوضوح إلى أن هذه الدول رغم عدم رغبتها في أن تعم الفوضى في المنطقة، إلا أن لديها خطوات تدريجية في الرد، وهي تمارس ذلك وفق خطة تحقق مصالحها وأمنها.

في هذا السياق، أتى تصريح أنور قرقاش المستشار الديبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، الذى شدد فيه على أهمية إيجاد "حلول تضمن أمناً مستداماً في الخليج العربي، تكبح التهديد النووي والصواريخ والمسيرات وبلطجة المضائق"، مضيفاً "لا يُعقل أن يتحول العدوان إلى حالة دائمة من التهديد".

قرقاش، وعبر حسابه بمنصة "إكس" أشار إلى أن "العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج العربي يحمل تداعياتٍ جيوسياسية عميقة"، لافتاً إلى أن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج تكرّس "الخطر الإيراني محوراً رئيسياً في الفكر الاستراتيجي الخليجي" ويوثّق "شراكاتنا الأمنية مع واشنطن".