الأنين يملأ لبنان

كتاب النهار 22-03-2026 | 16:04
الأنين يملأ لبنان
العالم لا ينهار. العالم يُدار وهو ينهار. فقط يُستعمَل، ويُختَزل وجوده إلى وظيفة. هذا ما يفعله بنا "آلهة" هذا العالم. سحقًا لهم!
الأنين يملأ لبنان
نازحون في منطقة الطيونة. (نبيل إسماعيل)
Smaller Bigger

بدأتُ ديوان "إنجيل شخصيّ" الصادر في العام 2009 بـ"مانيفست لآخر الكون"، كنتُ كتبتُهُ في العام 2001، وقد بدا آنذاك أنّ الزمن هو زمن الجنون القياميّ الشرّير الذي يبشّر بـ"احتلال" العالم. 

نحن الآن نعيش في لبنان أقصى تجلّيات ذلك الزمن المتواصل، وهو يمثّل جريمةً مستمرّة ضدّ الحياة نفسها؛ جريمة تبدأ هنا في المنطقة، ولا تكاد تترك مكانًا خارجها. فليس ما يجري محض فوضى عابرة. إنّه شيءٌ أكثر فظاعة: قتلٌ "خلّاقٌ"، بطيءٌ، متسارعٌ، شبه قانونيّ، للزمن نفسه، وتهشيمٌ ممنهجٌ لفكرة أنْ يكون للحياة معنى، أو اتّجاه، أو خاتمة.

المعنى ينسحب من الحياة، وتبقى الحياة وحدها، تمضي بلا مبرّرٍ واضح.

لم تعد الحروب تُعلَن، بل تُدار من داخل جسم العالم نفسه، من خلاياه، ونخاعه الشوكيّ. الخراب ليس حدثًا، بل حالة دائمة. 

لقد تحقّقت أسوأ حدوس حنّة أرندت: الشرّ ليس استثناءً، بل وظيفة. يقتل من دون أنْ يعترف بأنّه يقتل، ويدمّر من دون أن يتوقّف ليرى ما دمّره.

هذا عالمٌ يفقد حياءه ومبرّر وجوده، ويتصرّف على هذا الأساس.

الحاضر ليس زمنًا، إنّه حفرة. حفرةٌ تتكدّس فيها الوقائع من دون أن تُرتَّب، أو تُفهَم، أو تُدان. ما يُقال في أعلى الرئاسات والمنابر، وما يُبثّ في أدنى الشاشات، لا يعكس الواقع، بل يبتذله. ما يفعله قَتَلَة العالم، نتنياهو وترامب وبوتين وخامنئي و"حزب الله" والحرس الثوريّ (والآلهة) لا يعكس الواقع، بل يبتذله: يتحوّل الدم إلى محتوى، والكارثة إلى روتين، والإنسان إلى فريسةٍ، هو في الآن نفسه وحشُها الضاري؛ محض مُشاهدٍ مُنهَكٍ ينظر إلى المقتلة من رحم المقبرة الكونيّة.