.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يعلمنا التاريخ العسكري أن لا شيء أثبت من دروس الجغرافيا، ولا شيء أقدم من القتال على المضائق.
في أواخر حرب إسبارطة وأثينا، سيطرت إسبارطة على مضائق إيغوسبوتامي، قرب "جنق قلعة" تركيا، لتقطع طريق الحبوب عن أثينا، ويتسارع تصدع أثينا ولتخلفها روما بعد عقود.
في الحرب العالمية الأولى، جبه الحلفاء وفي مقدمهم بريطانيا وفرنسا، دولتي المحور: ألمانيا، والنمسا. في حينه اشترطت روسيا، الحصول على قروضٍ طائلة من بريطانيا وفرنسا في مقابل انضمامها الى الحلفاء، ليتم تسديد الديون بالقمح الأوكراني. لكن، سرعان ما تمكنت ألمانيا من إقناع تركيا-العثمانية بالانضمام الى دول لمحور وأن تغلق بالتالي مضيق الدردنيل.
تنطّح تشرشل لمعالجة ارتفاع أسعار القمح وما نجم عنه من تضخم خطير، بإرسال قوةٍ بحرية كبرى لفتح مضائق الدردنيل، بمشاركة 12 دولة. في حينه أيضاً، تحدثت بريطانيا عن تغيير النظام في "تركيا العثمانية".
لكن، بعدما فشلت بوارج الحلفاء في تدمير التحصينات التركية، أرسل تشرشل قوة إنزالٍ برمائية، سرعان ما سحقت تماماً، وتسببت بكارثة لتشرشل، وصعد على إثرها القائد التركي-العثماني الكبير أتاتورك، الذي ما لبث أن دمر بيديه ما تبقى من دولة الخلافة الإسلامية، ليؤسس الدولة القومية التركية الحديثة.
على الجانب الآخر، أدت هزيمة الحلفاء الى تسريع انهيار الإمبراطورية البريطانية ذاتها، ونمو الوعي الوطني الأوسترالي والنيوزيلندي والإسكتلندي.
يشهد بذلك كتاب "ليس كارليون" - "جاليبولي" – (جنق قلعة)، الزاخر بالمستندات ورسائل الجنود، عن صعود الشعور الوطني بين الجنود "الأنزاك-الأوستراليين" الصابرين والشجعان الذين يقتلون بعشرات الألوف نتيجة الأوامر العبثية لقيادة تشرشل في المركز الامبراطوري.
فيا له من فيلم مألوف!!
يقارن المؤرخون الاستراتيجيون ما يحصل في المنعصفات الكبرى للتاريخ البشري من صعود وأفول، في ما يسمى مأزق ثوزيديتيز -Thucydides Trap الذي حصل عند مضائق الدردنيل.
من جهتها، حرب أوكرانيا التي بدأت حرب دروع، سرعان ما تحولت حرب مدفعية (فالجيش الروسي جيش مدفعية من حيث الأساس). لكن تطور التقنيات الأوكرانية حولها بدوره إلى حرب مسيرات، أصبحت المسؤولة عن 80٪ من الخسائر.
ونحن لا ننسى أن مضائق البحر الأسود كانت عنصراً جوهرياً في الغزو الروسي 2022. ولو نجح الروس في السيطرة على أوديسا، لحرموا أوكرانيا تجارتها بالقمح والسماد، وانتهت الحرب منذ زمن بعيد، بل، بفضل المسيرات البحرية والجوية الرخيصة، كسرت أوكرانيا (التي لا تملك أسطولاً بحرياً) معادلة المضائق، واحتفظت بأوديسا، والطرق البحرية نحو المتوسط.
لذلك نقول إن تاريخ الصراع على المضائق هو فصل مركزي في التاريخ العسكري العالمي. ونحن لا نقصد أن ما حصل في "إيغسبوتامي" و"جنق قلعة" وأوديسا سيتكرر بحذافيره مع إيران، لكنه يحمل دروساً هائلة.
نحن ندرك أن الأسلحة الدقيقة تسببت في 2026 بفوارقٍ هائلة عن ذاك الزمان، في الوضع الاستراتيجي. لكن، كما في أفغانستان، يتضاءل هذا التفوق بشكل هائل إن قرر ترامب النزول الى الأرض.