هل يقطع ترامب الإنترنت عن أوروبا؟

كتاب النهار 23-03-2026 | 05:02
هل يقطع ترامب الإنترنت عن أوروبا؟
تخيل أن تسجل دخولك صباح أحد الأيام لتجد أن غوغل غير متاح، وأن مايكروسوفت قد علقت خدمات الحوسبة السحابية لشركتك، وأن البنية التحتية للمدفوعات التي يعتمد عليها مصرفك قد توقفت عن العمل. بالنسبة الى معظم الأوروبيين، لا يزال هذا سيناريو كابوسياً...
هل يقطع ترامب الإنترنت عن أوروبا؟
السؤال: هل تستطيع أوروبا فعلاً فصل نفسها عن أميركا؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

تخيل أن تسجل دخولك صباح أحد الأيام لتجد أن غوغل غير متاح، وأن مايكروسوفت قد علقت خدمات الحوسبة السحابية لشركتك، وأن البنية التحتية للمدفوعات التي يعتمد عليها مصرفك قد توقفت عن العمل.

بالنسبة إلى معظم الأوروبيين، لا يزال هذا سيناريو كابوسياً. ولكن وفقاً لاستطلاع رأيٍ جديد أجرته مؤسسة استطلاعات الرأي في أوروبا، وعُرض على أعضاء البرلمان الأوروبي، فإن غالبيةً ساحقة لم تعد تعتبر هذا السيناريو مستبعداً. فقد قال 86% من المشاركين في الاستطلاع إن تحرك الولايات المتحدة لتقييد وصول أوروبا إلى الخدمات الرقمية "أمر وارد" و"لا ينبغي استبعاده". بل ذهب قرابة 60% منهم إلى أبعد من ذلك، واصفين إياه بأنه "تهديد حقيقي وملموس".

تعكس هذه المخاوف تحولاً جوهرياً في كيفية فهم الأوروبيين لعلاقتهم بالتكنولوجيا الأميركية، وبإدارة دونالد ترامب تحديداً. ولفهم سبب تنامي هذا الخوف، يكفي النظر إلى الأرقام، إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي على دولٍ غير أوروبية في أكثر من 80% من منتجاته وخدماته وبنيته التحتية الرقمية، بالإضافة إلى حقوق الملكية الفكرية. وتسيطر أمازون ومايكروسوفت وغوغل مجتمعةً على نحو 70% من سوق الحوسبة السحابية في القارة، بينما لا تتجاوز حصة مزودي الخدمات الأوروبيين 15%. ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تعاملت إدارته باستمرار مع الهيمنة التكنولوجية الأميركية كأداة قوةٍ جيوسياسية.

والأكثر خطورة أن السيناريو الذي يخشاه الأوروبيون لم يعد مجرد افتراض. فقد قدم حادثان وقعا خلال العام الماضي لمحاتٍ واضحة لما قد يبدو عليه الإكراه الرقمي من جانب واشنطن على أرض الواقع. في أوكرانيا، ومع تعثر المفاوضات بشأن صفقة المعادن الحيوية، هدّد مسؤولون أميركيون بقطع وصول كييف إلى خدمات ستارلينك الفضائية، التي تُعدّ العمود الفقري للاتصالات الميدانية الأوكرانية. وعلى الصعيد المحلي، قدمت المحكمة الجنائية الدولية مثالاً مقلقاً بالقدر نفسه. فبعدما وضعت قادة إسرائيل على لائحة المطلوبين، وجد المدعي العام للمحكمة كريم خان أن حسابه البريدي المُستضاف على خوادم مايكروسوفت مُعطّل. ونفت مايكروسوفت وصف التعطيل بأنه "إغلاق كامل"، لكنها أقرت بتعطيل حساب خان، وقد أثارت هذه الحادثة قلقاً بالغاً في المؤسسات الأوروبية التي تعتمد على مزودي خدمات الحوسبة السحابية الأميركيين في اتصالاتها الأكثر حساسية.

لكن السؤال، هل تستطيع أوروبا فعلاً فصل نفسها عن أميركا؟ تكمن مفارقة مؤلمة في صميم هذا النقاش. فالاتحاد الأوروبي، الذي كان الأكثر صراحةً بشأن مخاطر "مفتاح الإيقاف الرقمي" الأميركي، اكتشف بنفسه أنه يمتلك نسخةً من هذه القوة. فعندما علّقت مايكروسوفت خدماتها موقتاً لشركة طاقةٍ هندية عقب فرض الاتحاد الأوروبي عقوباتٍ على روسيا، وجدت بروكسل نفسها تمارس بالضبط ذلك النوع من النفوذ الرقمي الذي تخشاه من واشنطن. واتضح أن "مفتاح الإيقاف" هو سمةٌ لأي سلطةٍ قضائية تتمتع بنفوذٍ تنظيمي كافٍ على شركات التكنولوجيا. ويمتلك الاتحاد الأوروبي من هذا النفوذ أكثر مما يدركه غالباً. لكن هذا لا يُزيل عدم التكافؤ. فالبنية التحتية السحابية الأوروبية من تصميم أميركي، وأنظمة الذكاء الاصطناعي فيها تعتمد في معظمها على نماذج أميركية، واتصالها بالأقمار الصناعية مملوك من الأميركيين. حتى شركة ميسترال للذكاء الاصطناعي، وهي أبرز شركة أوروبية في مجال نماذج اللغة، لا تستحوذ إلا على 2% فقط من السوق العالمية.

ويُظهر استطلاع الرأي الذي عُرض على أعضاء البرلمان الأوروبي، مدى تغيّر الرأي العام في القارة بعد أكثر من عام من استغلال ترامب المزايا الاقتصادية والتكنولوجية الأميركية كسلاح. لا يزال هذا الخوف نسبياً، ولكن كما صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرز في مؤتمر ميونيخ للأمن في شباط/فبراير، فإن اعتماد أوروبا المفرط على الولايات المتحدة هو "من صنع أيديها"، وأن عكس هذا الوضع سيستغرق سنوات قد لا تسمح بها الظروف الجيوسياسية. وحتى ذلك الحين، يبقى هذا السلاح في متناول واشنطن.