.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يتساءل بعض الخليجيين -وأنا مجرد ناقلة للسؤال- لماذا انبرى بعض أبناء جلدتنا لمقاطعة الشركات المتهمة بدعم الاحتلال الإسرائيلي إبّان الحرب على غزة، ولكنهم لا يطالبون الآن بمقاطعة المنتجات الإيرانية من "دوغ" وسجاد وزعفران رداً على العدوان الإيراني على دولنا؟
إنهم يستذكرون -مثلاً- اللافتات العملاقة التي كانت مرفوعة في إحدى العواصم الخليجية بعبارة "هل قتلت اليوم فلسطينياً؟" من باب الحث على المقاطعة، ويتساءلون لماذا لم توضع لافتات مشابهة بعبارة "هل قتلت اليوم خليجياً؟".
وبينما لا يساورني أدنى شك في أحقية القضية الفلسطينية بكل مبادرة أُطلقت لدعمها، فإني أجد هذه التساؤلات محفزة للتفكير. فكيف أن بعض الخليجيين الذين كانوا يبكون دماً على غزة لا يحملون اليوم ذرةً من ذلك القهر على دبي أو المحرق أو الدقم؟
باختصارٍ شديد، لأن الذود عن الوطن الخليجي ليس "كوول" بالقدر الكافي.
لا يشعر المرء منهم بأنه ثائر ومتمرد وقوي، وبأن روح تشي غيفارا قد حلت فيه -أو روح سيد قطب على الجانب الآخر- حين يتصدى لأعداء وطنه الخليجي، حتى حينما تحلق الصواريخ والمسيّرات -حرفياً- فوق رأسه. إنهم مناضلون، ومناضلون ممتازون، ولكنهم ليسوا للاستخدام المحلي.
إنهم نتاج سنواتٍ من التعبئة الفكرية التي جعلت الدفاع عن دولنا الخليجية سلوكاً قميئاً، ومزعجاً، ومحرجاً، ومثيراً للغثيان، ومناهضاً لثوريتهم، ويتجلى ذلك حتى وهي الآن في حالة حربٍ حقيقية تتطلب الانتفاض ضد الخصم. وأراهن على أن المرء منهم يتعذب بالحياء، ويضطرب مرتبكاً، أمام رفاقه من "المناضلين" العرب إذا كتب أو ألقى كلمةً لاستنكار العدوان الإيراني على بلده. بل ربما أقسم لهم بأغلظ الإيمان على أنه لم يصبح "وطنجياً"، فالأصل هو أن هذه الدول "الثرية والمرفهة والرأسمالية والمتحالفة مع الغرب" ليست جديرةً بالمساندة أو التأييد، حتى بينما يسقط فيها الشهداء ويُزعزع فيها الأمن.
ومن أعجب ما شهدت بأم عيني كان أثناء جلوسي للغداء مع امرأةٍ خليجية الأب وسورية الأم كانت قد طلبت لقائي بعد متابعتنا لبعضنا بعضاً في "تويتر". شددت على استسخافها فكرة الانتماء إلى الوطن، فما الوطن -وهي تعني بلد أبيها الخليجي- سوى المكان الذي وُلدت فيه بالمصادفة المحضة، وقرر القدر ترعرعها فيه، فلم تحبه أو تواليه حين لم تختره؟ ولأن لا قبل لي بالنقاش الذي سيتلف خلاياي الدماغية، قلت عبارتي المفضلة "وجهة نظر"، وغيّرت دفّة الموضوع.
فهي في الوقت ذاته كانت ترثي عبر وسائل التواصل الاجتماعي بلدها سوريا -كما كانت تصفها- إذ كان يدمرها بشار الأسد، وتخشى عليها من عقوبات قانون قيصر، وتبغض إيران و"حزب الله" لتدخلهما فيها. كانت تقوم بكل ذلك، ولم يبد يوماً أنها تلاحظ "المصادفة المحضة" التي جعلتها نصف سورية! وما هي إلا أنموذج للظاهرة.
إنها كارثة حقيقية تهدد بأن يصبح المواطن الخليجي آخر من يبكي المصاب الخليجي.