العقدة السورية في العقيدة الإسرائيلية

كتاب النهار 20-03-2026 | 04:16
العقدة السورية في العقيدة الإسرائيلية
منذ إقامة إسرائيل (1948) تمثلت سوريا، في إدراكاتها السياسية، كعقدة كبيرة، من الناحية الجغرافية والأمنية والسياسية، وبتأثيراتها الثقافية والاجتماعية...
العقدة السورية في العقيدة الإسرائيلية
جنود إسرائيليون عند الحدود مع سوريا. (أ ف ب)
Smaller Bigger

منذ إقامة إسرائيل (1948)، تمثلت سوريا في إدراكاتها السياسية كعقدة كبيرة من الناحية الجغرافية والأمنية والسياسية، وبتأثيراتها الثقافية والاجتماعية، وبحكم أن الشعب الفلسطيني جزء من مجتمعات بلاد الشام، من مختلف النواحي. يزيد من ذلك اعتبارها بمثابة بلد مفتاحي، أو أساسي، في المشرق العربي، خاصة في حال قيام نوع من التكامل أو التعاضد بينها وبين مصر، أو العراق؛ وهو ما حرصت إسرائيل على الحؤول دونه بمختلف الأشكال.

في الواقع، كانت سوريا على الدوام جزءاً فاعلاً في السياسة الشرق أوسطية، إذ شاركت في مختلف الحروب العربية ـ الإسرائيلية، وكانت حاضنة لفصائل المقاومة، سواء في مرحلتها الفلسطينية، أو في مرحلتها الفلسطينية ـ اللبنانية، وكجسر للدعم الإيراني لـ"حزب الله" في لبنان، فضلاً عن هيمنتها على لبنان لثلاثة عقود (1976ـ 2005).

الملاحظة أن سوريا، في عهد نظام الأسد (الأب والابن)، برغم شعاراتها ومزايداتها، ظلت منضبطة لحدود ومستويات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والتزمت باعتبار أن حرب 1973 آخر الحروب ضد إسرائيل، ومنعت أي عمل للفصائل الفلسطينية، وبعدها اللبنانية، من حدودها. وهي رغم مقاطعتها نظام السادات (بسبب اتفاق كامب ديفيد) لم تقطع مع عملية التسوية، وعادت وطبّعت مع النظام المصري في عهد الرئيس حسني مبارك، ثم انخرطت في "مؤتمر السلام" في مدريد (1991)، وفي مفاوضات ثنائية مع إسرائيل.

الملاحظة الثانية، أن هاجس نظام الأسد (الأب خصوصاً) كانت تتمحور حول تعزيز مكانة السلطة داخلياً وخارجياً، وتأمين استقرار مؤسسة الحكم (المتمحورة حول العائلة)، لذلك فهي التزمت بحدودها، من جهة، ومن جهة ثانية ظلت تلعب، أو توظف، الأوراق الفلسطينية واللبنانية، والإيرانية لتعزيز مكانتها، على صعيد الإقليم، وعلى الصعيد الدولي، خاصة إزاء الولايات المتحدة.

ولعل ذلك يفسّر أن النظام السوري كان بالغ القوة، والقسوة، والطغيان داخلياً، وعلى صعيد الجوار، في حين كان إزاء الولايات المتحدة، وإسرائيل، بالغ الهشاشة والضعف والحذر والمرونة، إذ لم يدخل إلى لبنان إلا برضى أميركي وإسرائيلي، وهذا ما فعله حتى بمشاركة الولايات المتحدة، ولو رمزياً، في غزو العراق (2003).

ما تقدم يفسر السلوك الإسرائيلي المتحفظ على أي تدخل دولي في الشأن السوري، إبان اندلاع الثورة السورية، بدعوى أن النظام الذي تعرفه أفضل من الذي لا تعرف، ولا سيما أن الحدود الإسرائيلية مع سوريا كانت تعرف كأهدأ حدود مع دولة أخرى، مع الترويج لفكرة مفادها أن "عرباً يقتلون عرباً. دعوا العرب يقتلون بعضهم"، ما نجم عنه ترك النظام يبطش بشعبه، ويدمّر عمرانه، إلى درجة بات معها نحو نصف السوريين شعباً من اللاجئين والنازحين، أمام سمع العالم وبصره، وذلك على خلاف ما جرى من تدخل في بلدان أخرى.

الفكرة مما تقدم أن إسرائيل كانت جد مطمئنة للنظام السائد (سابقاً) في دمشق. لكن لحظة عملية "طوفان الأقصى" غيّرت تلك المعادلات، التي انبنت على الاستثمار في نظام الأسد، وفي السياسات الإيرانية، لتخريب بنى الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي، بخاصة أن تلك العملية أتت في ظرف انشغال روسيا وإيران، شريكتي النظام السوري وحاميتيه؛ الأولى بأوكرانيا، والثانية بمحاولة تجنيب نفسها أي مواجهة مع الولايات المتحدة، وهو ما أدى إلى توفر الظرف، أو الشرط، الموضوعي للإطاحة بنظام الأسد، وتالياً انهياره.

بيد أن إسرائيل لم توفر الوقت إذ سارعت إلى انتهاك سيادة سوريا، والاعتداء على أراضيها، وتدمير البنى التحتية للجيش السوري، ما يبين حجم الاطمئنان الذي كانت تكنه للنظام السابق، بل إن بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، سارع، بشكل مبكر، إلى توجيه التهديدات إلى سوريا، نظرياً وعملياً، مع محاولة بذر الانقسام فيها، برفعه شعار حماية الأقليات، إلى جانب مطالبته بإخلاء محافظات الجنوب السوري (السويداء ودرعا والقنيطرة) من أي وجود عسكري للجيش السوري، لضمان أمن إسرائيل؛ وهو ما يفعله في لبنان أيضاً.

في الواقع، فإن إسرائيل تتوخى من كل ما تفعله إزاء سوريا ليس مجرد إعادة الاعتبار لجيشها، ولذاتها، كالقوة العسكرية الأقوى في الشرق الأوسط، وتالياً إيجاد حائط صدّ، أو عمق أمني استراتيجي لها يجنّبها "طوفان" آخر مستقبلاً، بل تحاول - بالإضافة إلى ذلك - الاستثمار في المشكلات أو التصدّعات المجتمعية في سوريا (ولبنان)، واللعب فيها، وتقسيمها جغرافيا أو مجتمعياً لفرض استراتيجية قديمة لديها، تتأسس على خلق مشرق عربي على شاكلتها، من جماعات متمحورة حول هوياتها الطائفية والإثنية، ما ينهي استثناءها كدولة يهودية في المنطقة. بمعنى أنها في ذلك لا تطبّع ذاتها مع محيطها العربي، وإنما بالعكس، تطبّع المحيط العربي معها، أو تعمم خاصيتها في محيطها.

واضح أن سوريا تواجه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، لكن مواجهتها مرهونة بمقدرة الحكم الجديد على استعادة الدولة، كدولة مؤسسات وقانون ومواطنين، وتعزيز رؤية السوريين لذاتهم بوصفهم شعباً من مواطنين أحرار ومستقلين ومتساوين؛ فذلك هو الشرط لبناء سوريا الجديدة، وتحصينها، وتفويت سعي إسرائيل تقسيمها أو إضعافها.