حين يصبح النصر التكتيكي فخاً استراتيجياً، لا يبقى من مخرج إلا الديبلوماسية

كتاب النهار 19-03-2026 | 04:02
حين يصبح النصر التكتيكي فخاً استراتيجياً، لا يبقى من مخرج إلا الديبلوماسية
العبرة ليست في تحديد موقع هذا القائد أو ذاك، ولا في اتساع بنك الأهداف، بل في القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى مخرجٍ سياسي مستدام. وذلك هو الاختبار الحقيقي...
حين يصبح النصر التكتيكي فخاً استراتيجياً، لا يبقى من مخرج إلا الديبلوماسية
تقف طهران أمام معضلة قاسية، فهي لا تستطيع الرد تماثلياً على التفوق الإسرائيلي والأميركي (أ ف ب)
Smaller Bigger

أغرت الضربة الأولى كثيرين بوهمٍ قديم: أن الحسم العسكري السريع قادر، بذاته، على إنتاج نصرٍ حاسم. بدا المنطق بسيطاً. تُضرب القيادة، تُشل البنية الصاروخية، تُخترق الدفاعات، ثم يبدأ النظام الإيراني بالتداعي تحت وقع الصدمة. وفي لحظاتٍ كهذه، تبدو القوة كأنها تختصر التاريخ.

لكن الحروب لا تُقاس بيومها الأول، بل بما تتركه مفتوحاً بعده. وهنا يبدأ المأزق.

حققت إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، مكاسب عملياتيةٍ واضحة. أُصيبت مرابض الصواريخ، ومنشآت تصنيعها، وبعض مواقع الدفاع الجوي والبحري. وأظهرت الضربات هشاشةً عسكرية إيرانية استراتيجيةً وأمنية عميقة. غير أن العبرة ليست في تحديد موقع هذا القائد أو ذاك، ولا في اتساع بنك الأهداف، بل في القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى مخرجٍ سياسي مستدام. وذلك هو الاختبار الحقيقي.

حتى الآن، لا يبدو أن الرهان الأميركي حقق ما عُلّق عليه. ففكرة أن قطع رأس النظام سيكفي لتفكيكه لم تثبت نفسها. لم تنتج الضربة الأولى انهياراً داخلياً سريعاً، ولم تفتح فراغاً يقود تلقائياً إلى انتقالٍ سياسي منظم. ولم تنزل الجماهير الإيرانية إلى الشارع بالصورة التي تخيّلها أنصار "الصدمة الكافية". كما لا تثق المكونات، وبينها الأكراد، بوعود ترامب السهلة.

لكن المعضلة الأعمق لا تكمن هنا. بل تكمن في ما لا تستطيع القنابل قصفه: في المواد النووية الحساسة، وفي ما بقي خارج الرؤية الكاملة. فحين يظل مخزون اليورانيوم 60٪ القادر على إنتاج عددٍ من القنابل النووية الرديئة، خارج الحسم النهائي، لا تعود الضربة خاتمة للمشكلة، بل مدخل إلى إعادة إنتاج الأزمة وتوسيعها. ولهذا لا تُقاس فاعلية الضربات في الملفات النووية بعدد الأبنية التي سقطت، بل بمقدار اليقين الذي أنتجته بعد سقوطها. فإذا تراجع اليقين، ارتفع خطر التصعيد.

هنا يكمن الفخ. فكلما بقيت الأسئلة الكبرى بلا جواب، ازداد الضغط لاستكمال المهمة. وما يبدأ بوصفه حرباً محدودة ضد بنيةٍ عسكرية معروفة، قد يتحول سريعاً إلى سعيٍ مفتوح وراء ما لم يعد معروفاً.

عندئذ لا تعود الحرب أداة ضبط، بل تصبح أداة بحثٍ قسري عن اليقين المفقود. وتلك لحظة خطرة: حين يتحول النجاح الأول إلى مبررٍ لجولة ثانية، ثم ثالثة، من دون تصورٍ واضح للنهاية.

في المقابل، لا يوحي السلوك الإيراني وجود خطةٍ للخروج من الأزمة. بل تميل طهران إلى توسيع الحرب أفقياً، لا لأنها واثقة بقدرتها على قلب الموازين، بل لأنها تضيق بخياراتها العاثرة. فالأنظمة المحاصرة كثيراً ما ترفع منسوب الخطر لأنها تجد في التصعيد مهرباً داخلياً من الاعتراف بالضعف. بهذا المعنى، لا يكون توسيع الحرب دليلاً على التماسك بقدر ما يكون مؤشراً إلى عمق المأزق.

يتعمق هذا المأزق إذ تدخل إيران ذاتها طوراً انتقالياً دقيقاً. فالسلطة، في لحظات الخطر الوجودي، لا تميل عادةً إلى الاعتدال، بل إلى التشدد. وإذا مضت مراكز الثقل داخل النظام نحو مزيدٍ من الارتهان للمتشددين في الحرس الثوري، تضيق هوامش القرار السياسي تماماً. وحتى لو جاء مجتبى خامنئي في قلب الترتيب الجديد، فلن تكون شرعيته قائمةً على توافقٍ استراتيجي سياسي، بل على رضا البنية الأمنية التي تمسك فعلياً بأدوات القسر. وهذا لا يوسع الخيارات، بل يحصرها في بدائل أكثر اندفاعاً وأقل عقلانية.

وهكذا تقف طهران أمام معضلةٍ قاسية. فهي لا تستطيع الرد تماثلياً على التفوق الجوي الإسرائيلي والأميركي، لكنها تستطيع، ولا شك ستفعل، أن ترفع تكلفة الحرب بطرقٍ أخرى: تهديد الملاحة، ضرب المصالح الاقتصادية، والضغط على القواعد والشركاء، وتوسيع مجال الاشتباك. ليست هذه استراتيجية للنصر، بل استراتيجية إفساد وخراب وهزيمة.

غير أن المأزق لا يخص إيران وحدها. فالولايات المتحدة تكتشف بدورها حدود القوة حين تُدار السياسة الخارجية بمنطق الإهانة لا بمنطق الشراكة.

لقد أمضى دونالد ترامب وقتاً طويلاً في الاستخفاف بالأوروبيين، لكنه يستجديهم الآن لحماية الملاحة واحتواء الارتدادات الاقتصادية للحرب. غير أن أوروبا، هذه المرة، لا تهرع. تتباطأ، وتحسب مصالحها، وتتجنب الانخراط الكامل في حربٍ لم تُستشر فيها كما ينبغي.

أما الرهان على أن موسكو قد تعيد صوغ موقعها إرضاءً لعلاقةٍ شخصية مع ترامب، فليس إلا قراءةً سيئة للسياسة الروسية. فالعلاقة بين موسكو وطهران أعمق من المزاج العابر في البيت الأبيض. والصين، من جهتها، لا تبدو في وارد السماح بانهيارٍ إيراني كامل. ليتكشف مشهد دولي مرتبك: لا أحد مستعد للذهاب بعيداً إلى حد الحسم، لكن أحداً أيضاً لا يريد أن يخرج من الحسابات.

لهذا تبدو الحرب أقل شبهاً بمواجهةٍ بين غالبٍ ومغلوب، وأكثر شبهاً بسباقٍ بين مأزقين.

تملك إسرائيل والولايات المتحدة تفوقاً عسكرياً واستخبارياً واضحاً، لكنهما لا تملكان بعد خريطةً موثوقة لتحويل هذا التفوق إلى نظامٍ إقليمي أكثر استقراراً. وتملك إيران قدرةً معتبرة على التعطيل ورفع التكلفة، لكنها لا تملك طريقاً واقعياً إلى قلب النتيجة النهائية.

وهكذا يجد الطرفان نفسيهما في معادلةٍ عقيمة!

لا تستطيع واشنطن وتل أبيب الذهاب إلى نهايةٍ مفتوحة من دون أن تدفعا أثماناً أعلى بكثير مما دخلتا الحرب من أجله. ولا تستطيع طهران أن ترفع السقف إلى ما لا نهاية من دون أن تسرّع خرابها الداخلي وتبدّد ما بقي لها من هوامش.

من هنا تستعيد الديبلوماسية الخليجية ضرورتها. لا باعتبارها ترفاً أخلاقياً، بل لأنها الأداة الوحيدة القادرة على كسر منطق هذه الحرب الجنونية التي ليست أفقاً نظيفاً لأيٍ كان.

وبعدما سعت طويلاً الى درء الحرب، تمدّ دول الخليج العربية يدها لتطويق الصراع، ليكتسب دورها مكانةً حيوية في رسم مآلات الصراع.

وهي تفعل ذلك ليس لأنها تقف على مسافةٍ واحدة من الأزمة، بل لأنها الأقدر على فهم ما تعنيه حرب مفتوحة في هذا الإقليم: اضطراب الطاقة، وتهديد الملاحة، واستدعاء القوى الكبرى، وتآكل ما تبقى من فكرة النظام الإقليمي. فسعيها لاحتواء الأزمة ليس حياداً ساذجاً، بل مصلحة استراتيجية مباشرة.

تبدأ الحروب، عادة، بوهم القدرة على التحكم، لكنها تنتهي، غالب الأحيان، حين يدرك الجميع أن التكلفة صارت أعلى من الوعد الذي أطلقها. وكي لا يتحول النصر التكتيكي إلى فخٍ استراتيجي، لا مخرج مستداماً من هذه الحرب إلا بالديبلوماسية.