هل انتهت صلاحية نظام طهران؟

كتاب النهار 19-03-2026 | 04:01
هل انتهت صلاحية نظام طهران؟
ما يجري لإيران ونظامها هذه الأيام هو نقيض تام لحكم الضرورة الذي فرض قيام ذلك النظام قبل 47 عاماً. تتدافع هذه المرة الظروف الدولية لإنهاء صلاحية "جمهوريةٍ" تقادمت وظائفها وغابت مبررات وجودها. 
هل انتهت صلاحية نظام طهران؟
لن تطوى صفحة العقود التي تلت عام 1979 بسهولة. الأمر سيستغرق وقتاً قد يطول (أ ف ب)
Smaller Bigger

حين نجحت ثورة اندلعت عام 1978 لإزاحة الشاه محمد رضا بهلوي عن الحكم في إيران وانتهت بإقامة جمهوريةٍ إسلامية بزعامة روح الله الخميني عام 1979، تضافرت ظروف دولية ساهمت بالتواطؤ أو من غير قصد، في رعاية هذا التغيير. حرّك الغرب عموماً الزعيم الروحي الإيراني من منفاه في فرنسا صوب "عرشه" الجديد في بلاده. ليس بالضرورة أن وراء الأمر مؤامرةً كان الخميني طرفاً فيها، بل أن أحكام الضرورة قضت بارتجال قضاء بديل من قدر فراغٍ بات واقعاً.

في حسابات ذلك الغرب، كانت الأولوية الداهمة هي لشروط إدارة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي. وقفت إيران الشاه خلال عقود سداً منيعاً متحالفةً مع الغرب ووكيلة له في المنطقة. وكان لا بد لهذا السدّ الاستراتيجي ضد الدولة الشيوعية "الملحدة" من أن تتولى توفيره دولة إسلامية مرتجلة "مؤمنة". اندثرت الحرب الباردة لاحقاً. اختفى الاتحاد السوفياتي عام 1991. لم يعد لإيران أن تلعب دورها داخل نظامٍ دولي انتهت صلاحيته، فيما عزّزت حرب الثماني سنوات مع العراق (1980-1988) ولادة دورها الذاتي، قائدةً طموحة للعالم الإسلامي مبشّرةً بتصدير ثورتها إليه.

رفع الخميني شعار "لا غربية ولا شرقية جمهورية إسلامية". وبدا أن الرجل يفتي بنموذجٍ يزعم فيه امتلاك هامش تلاعبٍ بين المعسكرين لإقامة عالمه المتخيّل. ظهر أن تلك البدعة أجادت التعامل مع الأقطاب المتناقضة، واقتاتت مما جاد به صراع الكبار. أجبر "صراع الأمم" السوفيات على الانسحاب من أفغانستان، كما أسقط بعد سنوات نظام "طالبان" في أفغانستان وصدام حسين في العراق. وبدا أن طهران تعيش موسم الحصاد بعدما ارتكب إسلاميون سنّة إثم 11 أيلول / سبتمبر 2001.

فقدت إيران فضيلة الحكمة والتأمل والاستشراف الحذق. وفقدت بذلك غنائمها الموهوبة مجاناً من دون جهد. راحت تصنع نظامها العالمي الخاص المتجاوز على أقطابه الكبار. بدت في السنوات الأخيرة نافرةً على القواعد المعمول بها، بحيث باتت كتلةً من خطرٍ وتهديدٍ للغرب والمنطقة من جهة، من دون أن يستحسنها من جهة أخرى الحلفاء، روسيا والصين مثالاً، ويتطوّعوا لحمايتها. وفيما امتطت طهران حصان العداء لإسرائيل، من خلال الوكلاء، غير أنها أساءت في علم الحساب وأصول الجمع والطرح إلى حدّ "طوفان" 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في قطاع غزّة فتهيّبته وتوجست من نذيره.

ما يجري لإيران ونظامها هذه الأيام هو نقيض تام لحكم الضرورة الذي فرض قيام ذلك النظام قبل 47 عاماً. تتدافع هذه المرة الظروف الدولية لإنهاء صلاحية "جمهوريةٍ" تقادمت وظائفها وغابت مبررات وجودها. إيران هي جزء من جغرافيا المنطقة وتاريخها، لكن نظامها، كما تعلمنا دروس التاريخ، يخضع للمنطق الخلدوني لسقوط الدول. وما يشي بتلك الحتمية، ليست الحرب الثنائية الأميركية - الإسرائيلية في ذاتها، بل ضراوتها المتصاعدة التي تجري من دون رادعٍ دولي مضاد. يكشف الأمر عن إجماعٍ نادر وتقاطع "الضرورة" على لحظة النهاية.

لن تطوى صفحة العقود التي تلت عام 1979 بسهولة. الأمر سيستغرق وقتاً قد يطول قبل أن تستقر النهايات وتتقدم المآلات. وكما رسم حدث سقوط نظام الشاه الخطوط الأولى لخرائط طاولت كل النظام الدولي بعد سنوات، فإن حدث هذه الأيام سيؤسّس لمشهدٍ إقليمي وربما دوليٍّ آخر.

ولئن يمنّي رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو النفس بصناعة شرق أوسطٍ جديد بالقوة لا "بالورود" التي بشّر بها شمعون بيريس قبله، فإن نتنياهو بدوره ينزلق إلى قراءةٍ مبتورة للتاريخ وقوانين القوة على النحو الذي قد يجعله على هامش واقعٍ جيوستراتيجي ينهي صلاحية نموذجٍ نهل بقاءه من نهج خمينيةٍ ثم خامنئيةٍ انتهت صلاحيتها.