.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
منذ اللحظة الأولى لوصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض كان واضحاً أن العلاقة مع الإعلام لن تكون تقليدية. لكن ما لم يكن واضحاً في البداية هو أن هذه العلاقة لن تبقى عند حدود التوتر السياسي أو الخطاب الحاد، بل ستتطور تدريجياً إلى نموذج متكامل لإعادة ضبط المجال الإعلامي نفسه، نموذج تكشّف على مراحل، وبلغ ذروته مع اندلاع الحرب على إيران في نهاية شباط/ فبراير.
ما جرى خلال هذه الأشهر القليلة لا يمكن فهمه كوقائع منفصلة، بل كسلسلة مترابطة من الخطوات التي انتقلت من التشكيك، إلى الضغط، ثم إلى محاولة الضبط المباشر للرواية الإعلامية التى يراها ترامب وإدارته.
في المرحلة الأولى، التي بدأت مع الأيام الأولى للإدارة، كان التركيز على نزع الشرعية المعنوية عن الإعلام. لم يكن ذلك جديداً في خطاب ترامب، لكنه هذه المرة جاء في سياق سلطة تنفيذية كاملة. الإعلام لم يُقدَّم فقط كخصم سياسي، بل كطرف غير موثوق، منحاز، ومضلل. هذه المرحلة كانت ضرورية لتأسيس ما يمكن تسميته بـ"بيئة الشك"، حيث يصبح الجمهور أكثر استعداداً لتقبل أي إجراءات لاحقة ضد المؤسسات الإعلامية.
المرحلة الثانية جاءت سريعاً، وكانت أكثر أهمية، وهي الانتقال من الخطاب إلى الأدوات. هنا دخلت المؤسسات التنظيمية، وعلى رأسها لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC)، إلى المشهد. لم تُستخدم هذه الأدوات بشكل مباشر لفرض رقابة صريحة، بل بطريقة أكثر تعقيداً، إعادة تفسير القواعد، فتح تحقيقات، والتلميح إلى مراجعة التراخيص. هذه الخطوات لم تكن تهدف بالضرورة إلى العقاب الفوري، بل إلى خلق حالة من عدم اليقين داخل المؤسسات الإعلامية. الرسالة كانت واضحة، القواعد ليست ثابتة، والهامش الذي تتحرك فيه الصحافة يمكن أن يتقلص.
في هذه المرحلة، بدأ يتشكل ما يعرف في علم الإعلام بـ"الأثر المُبرِّد" أي أن المؤسسات الإعلامية تبدأ في تعديل سلوكها ذاتياً خوفاً من عواقب محتملة. لم يعد السؤال داخل غرف التحرير هو فقط "ما الحقيقة؟"، بل أيضاً "ما الذي قد يترتب على نشرها؟".