التراث الأمازيغي وضرورة تحديث مكونات الهوية الثقافية الوطنية

كتاب النهار 17-03-2026 | 04:26
التراث الأمازيغي وضرورة تحديث مكونات الهوية الثقافية الوطنية
رغم مرور سنواتٍ عدة على الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغةٍ وطنيةٍ مرسمة من طرف الدولة الجزائرية، فإن مكونات الثقافة الأمازيغية ورموزها لا تزال تحتاج إلى ترسيخ هذا الاستحقاق الرسمي عن طريق التدريس الجدي لهذه المكونات على مستوى المنظومة التربوية بكل مستوياتها...
التراث الأمازيغي وضرورة تحديث مكونات الهوية الثقافية الوطنية
مواطنان يحملان العلم الجزائري وراية الأمازيغ
Smaller Bigger

رغم مرور سنوات عدة على الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغةٍ وطنية مرسّمةٍ من طرف الدولة الجزائرية، فإن مكونات الثقافة الأمازيغية ورموزها لا تزال تحتاج إلى ترسيخ هذا الاستحقاق الرسمي عن طريق التدريس الجدي لهذه المكونات على مستوى المنظومة التربوية بكل مستوياتها، الابتدائية والإكمالية والثانوية والجامعية، وإلى التعريف بها إعلامياً.

هذا لا يعني أن اللغة الأمازيغية نفسها لا تعلّم كمادةٍ ضمن إطار البيداغوجيات التعليمية الجزائرية، بل هي تدرّس بشكلٍ رسمي. ولكن يلاحظ أن ركائز هذه اللغة المتمثلة في الإنتاج الأدبي والموسيقي والمعماري ومختلف عناصر الثقافة الشعبية الأمازيغية لا يعتنى بها كما ينبغي وبخاصة على صعيد تقعيدها لغوياً ونحوياً وبلاغياً ومن حيث ابتكار المصطلحات والمفاهيم لها.

وفي الحقيقة، فإن الحكومات الجزائرية المتعاقبة أرصدت موازناتٍ مالية معتبرة لإنجاز هذه المهمة الضرورية، ولكن المحافظة السامية للأمازيغية التي أنشئت عام 1995 والأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية التي تأسست في عام 2017 لم تقما حتى الآن بنشر الإنتاج الثقافي والفني للثقافة الأمازيغية وطباعته وتوزيعه وطنياً وإقليمياً، وترجمته إلى اللغة العربية واللغات الحية للتعريف به عربياً ودولياً.

منذ أكثر من أربعة عقود قمت شخصياً بترجمة بعض قصائد الشاعر الأمازيغي الشهير في المجتمع الأمازيغي سي محند أو محند، المولود في منتصف القرن التاسع عشر إلى اللغة العربية، ونشرتها على صفحات جريدة "الشعب" الجزائرية، ولقد أعجب بها صديقي الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم الذي علّق عليها قائلاً إن هذا النوع من الإبداع يتميز بأصالةٍ تمكنه من طرق أبواب العالمية.

هناك شعراء وأدباء أمازيغ معاصرون مبدعون كبار أمثال محمد بن حنفي، وبن محمد، وأشروف يذير، ومحند أو يحي المدعو (محيا)، وفاطمة عمروش وابنتها طاوس عمروش، وابنها الشاعر والمفكر الأمازيغي جان الموهوب عمروش المعروف بين فلاسفة فرنسا وأدبائها، والذي كان أحد مناضلي حركة التحرر الوطني الجزائري، وزبيدة إيغيل الأربعاء المعروفة باسم حنيفة، وسليمان عزام، وشريف خدام، ومليكة دمران وغيرهم كثير.

واللافت هو أن عدداً معتبراً من الشعراء الأمازيغ، يجمعون بين قول الشعر وبين الغناء وعزف الموسيقى. ولكن رغم الثراء الروحي والفني لشعر هؤلاء، فإن المدارس والمعاهد الجزائرية لا تدرّسه للتلاميذ دراسةً نقدية متطورة في ضوء المناهج الحديثة، كما أنهم لا يمتحنون فيه. لا شك في أن هناك بعض الجهود المبذولة من طرف أفرادٍ قلائل لنفض الغبار عن نصوص الأدب الأمازيغي القديم، وغالب هؤلاء مستشرقون عاشوا بالجزائر حقبة الاستعمار الفرنسي، ولكن التراث الشعري الأمازيغي المكتنز ككل لم يحظ منذ الاستقلال إلى يومنا هذا بالرعاية المطلوبة طباعةً ونشراً وتوزيعاً وترجمةً إلى اللغات الحية، وتعريفاً بشعرائه سواء في الجزائر العميقة أو في المنطقة المغاربية أو في بقية بلدان العالم العربي أو في العمق الأفريقي وهلمّ جراً.

هذا النقص الذي يطاول فنَ الشعر، والتراث السردي الشفوي يمتد مع الأسف إلى المكونات الأخرى للثقافة الأمازيغية مثل الأغنية الشعبية، والأسطورة، والموسيقى والصناعات التقليدية، والمعمار الأمازيغي الذي يتجلى في المنازل التقليدية ذات الطابع الفريد من نوعه، وفي الضرائح الكبرى والأهرامات التي يقدر تعدادها بمئة هرمٍ موزعةٍ عبر القطر الجزائري، علماً أن هذه الأهرام الرائعة بنيت في العصور القديمة وتمثل جزءاً عضوياً من الذاكرة الثقافية والفنية الجزائرية الأمازيغية، ومع الأسف بقيت متروكةً للتآكل بفعل التعرية الطبيعية وفضلاً عن ذلك لم يتم التعريف المتواصل بها ككنوزٍ حضاريةٍ على المستوى الإقليمي والعربي والدولي.