الكرامة خارج اقتصاد الجدارة

كتاب النهار 16-03-2026 | 05:08
الكرامة خارج اقتصاد الجدارة
حبّذا لو أعادت مؤسساتنا الدينية لبنانيا تأطير واقعنا صمودا بالمثال، فندرك أنّ النجاح الاقتصادي ليس انعكاسا لاستحقاق أخلاقي
الكرامة خارج اقتصاد الجدارة
دير مار سمعان. (أرشيف)
Smaller Bigger

في خضم معاناتنا المستجدة لبنانيا، أعرض تجربة أقباط حي الزبالين في القاهرة. هناك، تتعرّج الأزقة الترابية وسط أكوام النفايات كي تتّسع الحكايات. الفقر المدقع لا يُختزل بالجوع، بل يخرج الرجاء المعدمين إلى حياة أرحب. أقباط الحيّ يعملون في تدوير النفايات والانكسارات لإنتاج بطولات. بؤسهم ليس جامدا، بل طاقة تنفجر ثورة، فتجسد ما كتب عنه هوغو في" البؤساء".

تصل دير سمعان المحفور في الصخر، واهميته الدير أنه أصلح الاختلال في الاعتراف الاجتماعي بقيمة عمل الزبالين، فتدرك أنّ المسيحية أبعد من الطقوس. إنها تمنح الأفراد قدرة على الاحتمال والتجدّد. الزبالون حولوا بؤسهم طاقة حفرت الصخر، فصنعت من الجبل منشأة روحية وفنية وسط النفايات كي تترجم شعورهم بالكرامة بإمامة آباء كنيسة.  حولوا القسوة إلى معنى.  فمن يستخرجون الرزق من النفايات استطاعوا حفر الجبل قصص كرامة وجمال، فصار المكان مقصدا وتحفة ابتكاراتهم الروحية. إيمانهم اكتمل بالعرق. تقف هناك فتعترف بقيمة الزبالين اجتماعيا، وتنحني أمام صناعة الكرامة.