.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
خطاب المرشد الجديد في إيران مجتبى خامنئي، شكّل لحظةً فاصلة في الاستراتيجية الإيرانية؛ إذ إنه قنّن الانتصار بعدم انهيار النظام، واستفراد الحرس الثوري بالسلطة مسلّحاً بعقيدة الثأر والانتقام والانتحار. مؤسسات الحكم الأخرى، بما فيها الرئاسة والجيش، تبدو اليوم مهمّشةً فيما يتحكّم الحرس الثوري بمصير إيران عاصفاً به بعشوائية، وعليه معالم الاضطراب.
مؤسسة الجيش صامتة تراقب ولا تتدخل الآن، وفي الأمر دلالة. فهي تعي أن ما دمرته القوات الأميركية من قدرات إيران العسكرية شكّل سحقاً جذرياً لها سيكبّل إيران لسنوات طوال. تعي أن المكابرة الاستراتيجية شيء والجبروت العسكري شيء اَخر. تعي أن ما يهدد إيران ما بعد الحرب هو انفلات الفوضى العارمة وأن دورها في ضبط الأمور لا بديل منه صوناً لإيران أولاً وليس للنظام.
أي تراجع أمام الضغوط الأميركية العسكرية أو الاقتصادية هو هزيمة كبرى، من منظور الحرس الثوري، الذي أوكل إليه مجتبى خامنئي السيطرة الكاملة على الداخل الإيراني وعلى الـوكلاء في لبنان والعراق واليمن.
مجتبى خامنئي بارك التهور الاستراتيجي للحرس الثوري، كما استباح سيادة الدول حيث أذرع الحرس الثوري تنفذ فيها ما تأمر به طهران تحت عنوان محور المقاومة.
الاستمرار بالملاكمة الفوضوية في مسارح الدول الخليجية العربية جزء أساسي من تحقيق مكاسب استراتيجية، بحسب منطق الحرس الثوري. المرشد الجديد بعث برسائل المزايدة إلى هذه الدول، إذ أملى عليها شرطاً تعجيزياً إذا شاءت تجنب الثأر والانتقام، شرط إغلاق القواعد الأميركية في أراضيها.
لو انتصرت إيران في هذه الحرب أو هُزمت، فإن الانتقام يتربص بدول الجوار والدول الإقليميّة والعالم. حتى وإن انتهت الحرب بصفقة وقف النار أو بتفاهمات، حذار الاستهتار بذاكرة الانتقام والثأر الإيرانية.
بالنسبة الى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الانتصار يعرّف بقدر تدمير الترسانة العسكرية الإيرانية، السيطرة على طرق النفط العالمية، ضمان أمن الحلفاء في الخليج والمصالح الاقتصادية، تقليص نفوذ الصين وروسيا في المنطقة الحيوية للنفط والاقتصاد العالمي، نسف قدرات إيران على تهديد مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية، أو بإمكان توجيه ضرباتٍ مستقبليةٍ الى حلفاء أميركا.
المرحلة القادمة، بعد خطاب المرشد الجديد، تتسم بتسارع العمليات الاستراتيجية والقرارات الاستباقية. إيران، من خلال الحرس الثوري ووكلائها، ستسعى لإطالة الحرب واستنزاف الطرف الآخر. الولايات المتحدة، من جهتها، تريد إنهاء الحرب بسرعةٍ نسبية، وهي الآن عازمة على توجيه ضربةٍ قاضيةٍ إلى أهدافٍ استراتيجية، مثل منصات إطلاق الصواريخ والبنية التحتية العسكرية للحرس الثوري، مع الحفاظ على التوازن مع حلفائها، ولاسيما منهم إسرائيل والدول الخليجية.
القرار الأميركي في شأن مضيق هرمز قاطع وأوروبا جاهزة للمشاركة في السيطرة عليه. ثم أن في ذهن الرئيس ترامب الاستيلاء على جزيرة خرج الفائقة الأهمية، إذ إنها أهم مركز لتصدير النفط الإيراني.
في لبنان، التحدي مزدوج. "حزب الله"، الذي يتلقى أوامره من الحرس الثوري، يمثل أداة تصعيدٍ إيرانيةٍ ومصدراً للخطر المباشر ليس على السيادة اللبنانية فحسب وإنما أيضاً على وحدة الأراضي اللبنانية. إسرائيل تستغل قرار "حزب الله" والحرس الثوري للثأر من اغتيال آية علي خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية السابق، وتستخدم استفزازهما لها بإطلاق الصواريخ لتقيم منطقةً عازلة في جنوب لبنان خاليةً من "حزب الله" ومن السكان، مؤهلةً للاحتلال مجدداً.
الدولة اللبنانية ارتكبت أخطاء مصيرية في الهروب إلى الأمام والتذاكي التكتيكي، فيما كان عليها إدراك خطورة الاختباء وراء الأصبع على لبنان برمته. تمسكت بالحوار مع "حزب الله" لتنفيذ قرارها حصرية السلاح بيد الدولة، مما كشف مراوغتها وتملصها من الاستحقاق.
كان على الدولة تبني استراتيجيةٍ استباقيةٍ وجرئيةٍ تحمي البلد من الانزلاق إلى مواجهة إسرائيل التي تمتلك الضوء الأخضر الأميركي لتدمير البنية العسكرية للحزب. كان عليها ألا ترتكب خطأ فادحاً وهو خسارة الثقة الأميركية بها وبمؤسساتها ولاسيما منها مؤسسة الجيش.
اليوم، الدولة في مأزق مع إدارة ترامب التي هي الطرف الوحيد القادر على ردع اسرائيل ومنعها من احتلالٍ دائمٍ للأراضي اللبنانية. تقطير التنازلات والتعهدات كما تفعل الدولة اللبنانية، يكاد أن يكون مثل سكب الماء على الأرض. إعلان الاستعداد المتأخر لإجراء مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل أتى مشروطاً بوقف الاعتداءات الإسرائيلية بلا أي ميكانيزم لإزالة سلاح "حزب الله" وإقصاء رجال الحرس الثوري. إسرائيل لن تتوقف عن تدمير كل ما في سبيلها ولبنان يقع الآن بين فكي الغطرسة الإسرائيلية والثأر الإيراني.
على الدولة اللبنانية استعادة الثقة بها- الأميركية بالذات- وهذا يتطلب منها إجراءاتٍ والكفّ عن "التمسكن" على أساس أن ليس في اليد حيلة لأن شبح الحرب الأهلية في المرصاد. فإما تقوم اسرائيل بنزع سلاح "حزب الله" عسكرياً وبتدميرٍ تامٍ للبنية التحتية للبنان، وإما أن تتأبط الدولة اللبنانية قرار إنقاذ لبنان بنقلةٍ نوعيةٍ وتتوجه به إلى إدارة ترامب للاستنجاد. سمّه إذعاناً أو استسلاماً، لا خيار لوقف البطش وتدمير البنية التحتية والاحتلال الإسرائلي سوى عبر بوابة ترامب.
حتى الصين وروسيا تلعبان ورقة ترامب. تلعبان دور المراقب المحايد نسبياً، مع الحرص على حماية مصالحهما الاقتصادية والسياسية. الصين لا تريد التصعيد مع ترامب وما يهمها هو ضمان استمرار تدفق النفط وخصوصاً من دول الخليج العربية. تريد أن تكون طرفاً ضاغطاً سياسياً أكثر من فاعل عسكري مباشر. وهي تتجاهل المعاهدة الاستراتيجية بينها وبين إيران. روسيا أيضاً، رغم وجود معاهدات استراتيجية مع طهران، فإنها غير قادرة على تقديم دعمٍ عسكريٍّ فعليّ ولا يمكنها أن تلعب دور الوسيط بفعالية لأنها رهينة أوكرانيا والعداء بينها وبين الدول الأوروبية.
إيران اليوم في عزلةٍ خانقة تعتمد على استراتيجيات الاستنزاف والاستدراج مستندةً إلى عقيدة الحرس الثوري ووكلائه، والرامية إلى استفزاز الدول الخليجية للانخراط المباشر في الحرب. الحرس الثوري يتخبّط في هلعه واضطرابه، في استراتيجية الانتقام وعقيدة الثأر والانتحار.
لمن الهزيمة ولمن الانتصار؟ لننتظر قليلاً. دونالد ترامب لن يتقهقر أمام الحرس الثوري. مجتبى خامنئي لن يتحرر من قبضة الحرس الثوري. الحرس الثوري لن ينبطح أمام الهزيمة. "حزب الله" لن يكف عن ربط مصير لبنان بقرارات الحرس الثوري. إذن، إن مصير إيران ودول أذرعها مرتبط بواحدٍ من مؤسسات النظام في طهران حتى إشعارٍ آخر في غضون أسابيع وليس أشهراً أو سنوات.