قوية كالحرب ناعمة كالسلام

كتاب النهار 14-03-2026 | 06:15
قوية كالحرب ناعمة كالسلام
تدفع الهاشمي ثمن كونها امرأة يُتوقع منها "ألا تكون امرأة" خلال ساعات الدوام الرسمية، وكأن من متطلبات الوظيفة أن تمسخ طبيعتها وذاتها. إنها تُعاقب لكونها امرأة لم تتنكر لحقيقتها إرضاء لمعايير ذكورية واهية في ميادين العمل.
قوية كالحرب ناعمة كالسلام
ريم الهاشمي، وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي
Smaller Bigger

خرجت من قاعة المؤتمرات الصحفية لأجد ثلة من الزملاء الذكور يتضاحكون في الممر. ولأني كنت لا أزال طالبة جامعية متدربة، وتواقة إلى تعلّم كل شيء، حتى سر ضحك الزملاء، سألتهم عما يحدث.

"أما رأيتِ تلك السخيفة التي في الزاوية؟"، أجابوا على سؤالي بسؤال: "أما رأيتِ تفاهتها؟"

"أين تحسب نفسها؟ بل من تحسب نفسها؟ ’جييشا‘؟"، عقّب زميل دون أن يكف عن القهقهة.

أدركت بأن "السخيفة" المعنية كانت إحدى الصحافيات المجتهدات، واللاتي كنت أقتدي بهن وأسعى للاستفادة منهن. فما التصرّف الذي جعلها أضحوكة للزملاء الذكور، ودفع أحدهم لتشبيهها بالراقصات اليابانيات التقليديات؟

كانت قد استخرجت من حقيبتها مروحة يد بديعة -وهي كانت امرأة أنيقة عموماً- فكان من الواضح أنها أقدمت على تفصيلها بنفسها ولم تشترها جاهزة، إذ كانت تطابق الألوان والطبعات التي على ملابسها، وراحت تهفهفها أمام وجهها. فقط. لقد كانت "سخيفة" فقط لأنها أبدت اهتماماً خاصاً بمظهرها.

ولأني كنت في طور التعلّم، فقد حفظت الدرس سريعاً. تعلّمت بأن كل ما يُعتقد بأنه يمت إلى الأنوثة بصلة يجب أن يودع خارج مكان العمل، لترتدي الواحدة منا اللباس الموحد لـ"الاحترافية والمهنية" المزعومتين، وتدخل وقد طمست الإنسانة التي هي عليها. قبل أن تقوم الموظفة ببصمة الحضور، يجب أن تنزع أطباعها، وشخصيتها، وأولوياتها، ومخاوفها الأنثوية، ونقاط ضعفها، واهتماماتها، وهواياتها، وعاطفتها، وأريحيتها في التعبير عن تلك العاطفة. وكل ذلك لتُؤخذ على محمل الجد الميسوجيني، ولا تُعد "سخيفة".

وكنت أخفق أحياناً، كتلك المرة التي غضبت فيها من تناقل مقطع مصور لمختل يركل حيواناً، فأصبحت "الحرمة الدراماتيكية التي لا تتقبل المزاح". تعلّمت بأنه لأحتفظ باحترامهم، وأبقى "قوية وراجحة العقل" بحسب تعريفهم، فعلي أيضاً التجرد من حساسيتي وإشفاقي، إذ تبيّن أنهما صفتان أنثويتان مذمومتان.

تعرف النساء العاملات هذه الشروط غير المحكية، لذلك نتضامن مع معالي ريم الهاشمي، وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي، ضد الحملة التي تُشن عليها منذ ظهورها عبر "سي إن إن".

فقد سخر الرجعيون من نبرة صوتها الدافئة، واستهزؤوا بأسلوب حديثها الهادئ، وتهكّموا على تعابير وجهها، وصدّروا النكات عن تمهلها في نطق كلماتها. بل لقد أسقطوا على أنوثتها غير المتصنعة خيالاتهم الإباحية المعتلة، وأساؤوا تفسير طاقتها المسالمة. أبوا أخذها على محمل الجد حتى تعود "امرأة حديدية" قاسية، أو سياسية متعطشة للحروب، أو حتى تتبنى أسلوباً منبرياً صاخباً ومفردات حادة لا تنسجم أصلاً وشخصيتها.

تدفع الهاشمي ثمن كونها امرأة يُتوقع منها "ألا تكون امرأة" خلال ساعات الدوام الرسمية، وكأن من متطلبات الوظيفة أن تمسخ طبيعتها وذاتها. إنها تُعاقب لكونها امرأة لم تتنكر لحقيقتها إرضاء لمعايير ذكورية واهية في ميادين العمل.

ولكن ليس لدى وزيرتنا ما تثبته لهؤلاء، فما رفضهم لأنوثتها إلا انعكاس لاحتقارهم الدفين لمشاركة المرأة في الحياة المهنية.