كيف انكشفت حدود القوة الأميركية في الشرق الأوسط؟

كتاب النهار 12-03-2026 | 10:40
كيف انكشفت حدود القوة الأميركية في الشرق الأوسط؟
الخريطة الجديدة للشرق الأوسط لن تقوم على معادلةٍ بسيطةٍ من نوع "إيران ضعيفة وإسرائيل قوية". بل ستقوم على معادلة أكثر تعقيداً، إيران مجروحة لكنها باقية، إسرائيل متفوقة لكنها مقلقة...
كيف انكشفت حدود القوة الأميركية في الشرق الأوسط؟
لا يقتصر تأثير الحرب على الإقليم وحده، بل يمتد إلى النظام الدولي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تكن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهةٍ عسكريةٍ جديدةٍ في منطقةٍ اعتادت الصراعات. ما حدث كان أقرب إلى لحظة كشف استراتيجيةٍ سقط فيها كثير من المسلمات التي حكمت لعقود النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ولعل العبارة الشعبية المصرية القديمة تلخص المشهد بدقة: "المتغطي بأميركا عريان".

هذه الجملة ليست انفعالاً سياسياً أو شعاراً دعائياً، بل توصيف لحقيقةٍ بدأت تتكشف تدريجاً خلال السنوات الماضية، وبلغت ذروتها مع هذه الحرب. فقد كشفت المواجهة حدود القوة الأميركية، وهشاشة بعض تصورات الردع الإقليمي، كما كشفت أن الحديث المتكرر عن "شرق أوسطٍ جديدٍ" لا يعني بالضرورة شرقاً أوسط أكثر استقراراً، بل ربما شرق أوسط أكثر انكشافاً وتعقيداً.

منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ظل الاعتقاد سائداً بعض دوائر صنع القرار في واشنطن أن القوة العسكرية قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط. الفكرة كانت تبدو بسيطة في ظاهرها، إزالة مركز القوة المعادي أو إضعافه بشدة سيفتح الطريق تلقائياً لنظامٍ إقليميٍّ أكثر توافقاً مع المصالح الأميركية.

هذا المنطق نفسه كان حاضراً في الحرب الأخيرة، حين راهنت الإدارة الأميركية على أن الضربات العسكرية القاسية التي استهدفت القيادة الإيرانية والبنية العسكرية للدولة قد تؤدي إلى أحد احتمالين، إما انهيار النظام تحت ضغط الحرب، وإما تحوله إلى دولةٍ منهكةٍ ومنشغلةٍ بأزماتها الداخلية إلى حدٍّ تفقد معه القدرة على تهديد المنطقة.

غير أن هذه الفرضية تتجاهل حقيقةً أساسيةً في بنية الشرق الأوسط. فإيران ليست مجرد نظامٍ سياسيٍّ يمكن إسقاطه واستبداله بسهولة، بل دولة ذات مؤسساتٍ أمنية وعسكرية عميقة، ونسيجٍ قوميٍّ معقد. ولهذا فإن انهيارها أو إضعافها الشديد لا يعنيان بالضرورة نهاية المشكلة، بل قد يفتحان الباب أمام مشكلات أكبر. التجربة الحديثة في العراق وليبيا وأفغانستان تشير إلى أن إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى بناء نظامٍ مستقر، بل قد يخلق فراغاً سياسياً تتحول فيه الفوضى إلى قاعدةٍ جديدةٍ للصراع.

التحول الأكثر حساسيةً الذي كشفت عنه الحرب يتعلق بمستقبل النظام الأمني في الخليج. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت معادلة واضحة: الولايات المتحدة توفر الحماية الأمنية، ودول الخليج تبقى جزءاً أساسياً من منظومة الطاقة العالمية المرتبطة بالاقتصاد الدولي. غير أن الحرب الأخيرة كشفت مفارقةً خطيرة. فالقواعد العسكرية الأميركية التي يفترض أنها توفر الحماية تحولت في الوقت نفسه إلى أهدافٍ محتملة، ما يعني أن وجودها قد يكون مصدر خطر بقدر ما هو مصدر ردع. هذه الحقيقة لم تظهر فجأة. فقد بدأت ملامحها تتشكل منذ الهجوم الذي استهدف منشآت أرامكو السعودية عام 2019، حين تعرض قلب صناعة الطاقة العالمية لضربةٍ كبيرةٍ من دون ردٍّ عسكريّ أميركيّ مباشر.

لكن الحرب الأخيرة جعلت السؤال أكثر وضوحاً: هل تحمي الولايات المتحدة الخليج، أم أن وجودها العسكري قد يجعله ساحةً للصراع؟

هذا السؤال يعكس تحولاً عميقاً في التفكير الاستراتيجي الخليجي. فقد بدأت دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة تبحث عن مسارات جديدة تقلل من احتمالات المواجهة المباشرة مع إيران، ومن أبرز هذه المسارات التقارب السعودي - الإيراني الذي استؤنف بوساطةٍ صينيةٍ عام 2023. لم يكن ذلك التحرك مجرد مبادرةٍ ديبلوماسيةٍ عابرة، بل تعبير عن إدراكٍ متزايدٍ أن الاعتماد الكامل على مظلةٍ أمنيةٍ خارجيةٍ لم يعد ضمانةً كافيةً للاستقرار.

لم تدخل إيران هذه الحرب وهي تتوقع انتصاراً عسكرياً تقليدياً على الولايات المتحدة أو إسرائيل. فالفجوة العسكرية بين الطرفين واضحة، رفع تكلفة الصراع بهدف إظهار أن النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة في المنطقة ليس بالقوة التي يبدو عليها.

أما إسرائيل فإن تفوقها العسكري لا يترجم تلقائياً إلى نظامٍ إقليميٍ مستقر. بل إن المفارقة أن إضعاف إيران قد يزيد في المقابل من القلق العربي حيال إسرائيل نفسها، إذا بدت القوة العسكرية الوحيدة غير المقيدة تقريباً في المنطقة. وهذا يعني أن الحرب قد لا تنتج توازناً جديداً بقدر ما قد تخلق اختلالاً جديداً في ميزان القوة.

الخريطة الجديدة للشرق الأوسط لن تقوم على معادلةٍ بسيطةٍ من نوع "إيران ضعيفة وإسرائيل قوية". بل ستقوم على معادلةٍ أكثر تعقيداً، إيران مجروحة لكنها باقية، إسرائيل متفوقة لكنها مقلقة، وخليج غني لكنه أقل ثقة بمظلات الحماية الخارجية.

وبين هذه الأضلاع الثلاثة ستتحرك بقية دول المنطقة. تركيا ستراقب الفراغات لتوسيع نفوذها، ومصر ستتمسك بأولوية منع الفوضى الإقليمية وحماية طرق التجارة والطاقة، بينما سيظل العراق وسوريا ولبنان واليمن ساحات تتلقى ارتدادات الصراع أكثر مما تصنعه.

ولا يقتصر تأثير الحرب على الإقليم وحده، بل يمتد إلى النظام الدولي. فكلما انشغلت الولايات المتحدة بجبهة الشرق الأوسط، اتسعت مساحة المناورة أمام روسيا والصين في ساحات أخرى. موسكو ترى في ذلك فرصةً لتخفيف الضغط عنها في حرب أوكرانيا، بينما تراقب بكين توزيع القوة الأميركية عالمياً بحثاً عن فرصٍ لتعزيز نفوذها. وهكذا يتحول الصراع الإقليمي إلى جزءٍ من إعادة تشكيل ميزان القوة الدولي.

الحديث عن "شرقٍ أوسطٍ جديدٍ" يحتاج إلى قدرٍ كبيرٍ من الحذر. الجديد هنا ليس ولادة نظامٍ مستقرٍ بديل، بل تراجع صلاحية النظام القديم. نظام الردع الأميركي المطلق لم يعد يبدو كما كان، والاطمئنان الخليجي الكامل الى مظلة الحماية الخارجية لم يعد قائماً كما في السابق، والافتراض أن الضغط العسكري على إيران وحده يمكن أن ينتج منطقةً أكثر أمناً يبدو اليوم أقل إقناعاً من أي وقت مضى.

ما يتشكل الآن هو شرق أوسط أكثر سيولة، تحالفاته أقل ثباتاً، ردعه أقل يقيناً، اقتصاده أكثر حساسيةً للصدمات، وقواه الإقليمية أكثر ميلاً لاختبار حدود بعضها بعضاً. الحرب الأخيرة لم تصنع بعد شرق أوسط جديداً، لكنها أسقطت كثيراً من أوهام الشرق الأوسط القديم. وربما يكون الدرس الأهم الذي خرجت به المنطقة من هذه المواجهة بسيطاً بقدر ما هو عميق. الأمن الحقيقي لا يُستورد كاملاً من الخارج، والتحالفات قد توفر الحماية لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً من بناء توازناتٍ إقليميةٍ أكثر استقراراً.