.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ليس أخطر من لحظة تضعف فيها الدولة وتظن مكوناتها أن بوسعها النجاة منفردة. ذاك الفراغ لن يملأه إلا السلاح ثم الندم. من لبنان ذاته إلى العراق، يعيد التاريخ منطقه بلا رحمة.
عندئذ لن يقضي لبنان بضربة عدوّ، بل بتواطؤ الوهن الداخلي مع شهية العقيدة الفاسدة وعنجهية السلاح: مدن منهكة، ومجتمعات ممزقة، وندم ثقيل لأن أحداً لم يدرك باكراً أن الفراغ السياسي لا يملأه إلا الخراب.
ليس أخطر على وجود اللبنانيين من وهمٍ قديم أن العاصفة الإقليمية يمكن أن تمرّ فوقهم دون أن تقتلع ما بقي من وطن ودولة.
هذا وهمٌ لا تسنده الجغرافيا ولا التاريخ. فالتحولات الجارية، وعلى رأسها الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ارتداداتها على غرب آسيا، لن تكون مناوشة عابرة بل زلزالٌ سياسي وأمني يعيد ترتيب خرائط النفوذ وحدود الدول ووظائف الكيانات.
يتضافر "حزب الله" وإسرائيل في دفع لبنان نحو الجحيم! وفيما تتسع رقعة النزوح داخل لبنان بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية والقصف على الجنوب والضاحية، وفيما تنوء الدولة اللبنانية تحت العبء الأمني والعسكري والإنساني والإداري والديبلوماسي المستحيل. وفيما يستخف البعض بهذه التحولات على أمل أن يتعطَّف العالم لإنقاذ لبنان وإخراجه من هوامش الصراع الإقليمي والدولي، تتجلى المخاطر الاسترتيجية التي تحيق بالأمة والدولة اللبنانية.
لا يرحم التاريخ الدول التي تظن نفسها استثناءً، خاصة تلك الدول الصغيرة التي تكون في مهب حرب دولية إقليمية. هكذا انزلق لبنان ذاته 1975 حين تآكلت الدولة، وتكاثرت الميليشيات، وتداخل الأهلي بالإقليمي والدولي حتى صار البلد ساحةً أكثر منه وطناً. وهكذا كان أمر يوغوسلافيا والعراق بعد 2003، وإسبانيا 1936.
ليست الفعلة الشنيعة لـ"حزب الله"، مجرد قرار عسكري محدود، بل مقامرة ليكون لبنان جزءاً من خيار شمشون الإيراني، ليجر الدولة والبلاد إلى حرب صفرية لم تخترها، لتصبح الدولة ذاتها تفصيلاً ثانوياً في معادلة شيطانية بين: إسرائيل/"حزب الله".
لكن الوجه الآخر للمأساة لا يقلّ فتكاً. حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أن أوامر الإخلاء الواسعة في جنوب لبنان وأحياء من بيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الإنساني، فيما تحدثت الأمم المتحدة عن طوارئ إنسانية كبيرة مع نزوح عشرات الألوف داخل لبنان.
لا تهدف إسرائيل من أوامر الإخلاء الواسعة والقصف على الضاحية والجنوب، إلى تحييد تهديد أمني فحسب، بل انهيار الدولة اللبنانية ووضعها أمام خيارات لا تطاق.
حيث تعجز الدولة المنهكة أصلًا عن الاستيعاب والمعالجة، يصبح الضغط الإنساني وقوداً سياسياً واجتماعياً توظفه في تفجير الأوضاع بين اللبنانيين. عندئذ لينتقل خطر الحرب للداخل، إلى الشارع، إلى التوازنات الهشة، حرباً على فكرة العيش المشترك ذاتها.
لا تنهار الدول دفعة واحدة. لكن النزوح الواسع، والاقتصاد العاجز، والمؤسسات المشلولة، والخطاب التعبوي العقائدي، والخوف المتبادل بين المكونات، لا تنقصه إلا حادثة واحدة ليشتعل ما يكمن في الصدور وتحت الرماد.
في سوريا، بدأ الأمر احتجاجاً، ثم قمعاً، ثم انفتحت جهنم الحرب الأهلية، والتدخلات الخارجية لتنتج واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
وبدورها، لم تمنع الإدانات الدولية في البوسنة ولا قوافل المساعدات من تحوّل التفكك السياسي إلى حرب وحصار وتهجير، إلخ...
رغم اختلاف الذرائع واللغة، ثمة قوتان تدفعان بالبلاد نحو الانهيار! "حزب الله" يجرّ لبنان إلى حربٍ لا يملك من أمرها شيئاً، وإسرائيل تدفع لتفكيك الدولة بذريعة تحطيم البيئة الحاضنة للحزب. النتيجة واحدة: تفكيك ليس للجغرافيا فحسب، بل لفكرة الوطن والأمة اللبنانية. ليغدو لبنان، دولة وشعباً ونخباً ومؤسسات، في سباق محموم مع الزمن لقطع الطريق على تلك الدائرة الشيطانية التي تجمع "حزب الله" وإسرائيل لدفع الدولة اللبنانية نحو الخراب.
وما القرارات المتسارعة من رئيس الدولة والحكومة إلا بعض يسير من ذلك السباق المحموم لفرملة الانحدار الجارف نحو المجهول وانهيار الدولة وسد الذرائع.
ليس لبنان مجرد قطعة أرض ضيقة على الساحل، بل صيغة سياسية وثقافية نادرة في هذا الإقليم الملطخ بالعصبيات والاستبداد، صيغة، رغم كل عللها، قامت على قدر من التعدد والانفتاح والوساطة والقدرة على تحويل الاختلاف إلى حياة عامة.
انكسار لبنان لن يكون مجرد خسارة للبنانيين، بل لمشروع الدولة الوطنية في الشرق الأوسط وغرب آسيا بأسرها.
انه لسراب ووهم يفقأ العيون، ذاك الرهان على العالم أن يأتي في اللحظة الأخيرة لإنقاذ لبنان! في البوسنة جرجر الحسم الدولي أقدامه لسنوات من الحرب والحصار.
في رواندا جاء الندم بعد المقتلة. وفي أفغانستان، بعد عشرين عاماً، انسحب الغرب تاركاً دولةً هشة لن تصمد طويلاً، إذ لن يعيد العالم بناء وطنٍ فقد أهله إرادة العيش المشترك! بل سيموّل العالم إغاثة اللبنانيين، لعله ينفض مسؤوليته عن الكارثة التي شارك هو في صنعها.
مصير لبنان في يد من بقي من نخب لبنانية: أولئك الذين لا يرون البلد وظيفةً لعقيدة أو محور، ولا ساحةً للثأر، ولا غنيمةً لطائفة، بل بيتاً أخيراً لا بيت لهم سواه.
ليس المطلوب معجزة، بل حدّ أدنى من الشجاعة الوطنية: شجاعة تكريس الدولة وقرارها السيادي، دولة تجهض الفتنة الداخلية وتنقذ الكيان اللبناني، بعيداً عن حرتقات وماء وجه أي فريق أو زعيم.
الأوطان لا تموت إلا حين يعجز أهلها عن التمييز بين الشجاعة الوطنية وبين الانتحار.
وسيكون فادحاً، بل مأساوياً، بكل الأبعاد السياسية والثقافية والتاريخية أن يُترك لبنان لينزلق نحو انهيار الدولة الوطنية. ليس بالنسبة لهذا البلد الثمين فحسب، بل لأن سقوطه سيسرع حالة الانهيار الإقليمي، حيث تصبح الرسالة أن لا حياة لدولة وطنية تعددية في الشرق الأوسط، وأن المجتمعات ذات المكونات المتعددة محكومة إما بالاحتراب، وإما بالاستبداد والوصاية.
ستكون تلك هزيمة تاريخية لجوهر الفكرة للمواطنة السياسية والثقافية في الإقليم بأسره، إذ ليست المأساة في أن يكون للبنان أعداء كثر، بل في أن تتصرف بعض نخبه كما لو أنه قابل للاستبدال.
ألا ويحكَ لبنان، لا تدعهم يأخذونك بعيداً!