الاقتصاد العالمي على "خط النار"... والعرب يدفعون الفاتورة "مرتين"!

كتاب النهار 04-03-2026 | 04:23
الاقتصاد العالمي على "خط النار"... والعرب يدفعون الفاتورة "مرتين"!
يواجه الاقتصاد العالمي الآن اختباراً قاسياً. ومع كل صاروخ يٌضرب أو مضيق يٌغلق تثبت الجغرافيا مجدداً أنها قدر البشرية. 
الاقتصاد العالمي على "خط النار"... والعرب يدفعون الفاتورة "مرتين"!
استمرار إغلاق هرمز بالنار... الاقتصادات تدفع الثمن (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تكن القنابل الأميركية والإسرائيلية التي دكّت طهران- أو الصواريخ التي أطلقتها إيران تجاه عدة عواصم بالشرق الأوسط- مجرد أدوات تدمير، بل رسائل بريدية، تحمل فواتير باهظة إلى كل بيت ومصنع ومطار عبر القارات. "صليل السلاح" في بقعة حساسة كمنطقة الخليج يتردد صداه في العالم أجمع. فصل جديد من "تسليح العولمة". بات الاقتصاد العالمي على "خط النار". الحرب الاقتصادية "الموازية" سلاح أخف لكنه أبعد أثراً.

في كل حرب، ثمة ضحايا مباشرون وآخرون بالنيابة. يعتمد العالم في بقائه على "سلاسل التوريد" المترابطة، من ثمّ يصبح "تعطل إمدادات الطاقة" بمثابة "سكتة دماغية" للاقتصاد العالمي. وقد هاجمت إيران سفناً في مضيق هرمز. هذا المضيق ليس مجرد ممر مائي، بل "رئة" يتنفس منها العالم، وأي انسداد فيها يلقي بظلال سوداء على الاقتصاد. قفزة جنونية في أسعار النفط والغاز وارتفاع كلفة التأمين والشحن والمنتجات الأساسية، وانهيار سلاسل الإمداد.

يمرّ 20 مليون برميل نفط يومياً- خمس استهلاك العالم- عبر المضيق، ومع تهديد الملاحة، نقف على حافة صدمة، قد تتخطى معها أسعار النفط حاجز المئة دولار للبرميل أو أكثر لو استمرت الحرب أو توسعت. رقم يعيد إلى الأذهان أزمات سابقة، لكن هذه المرة في عالم "معولم" أكثر ترابطاً وهشاشة. إنه "سيناريو كابوسي" يظهر تأثير الجغرافيا في الاقتصاد. إيران منتج رئيسي للغاز والنفط- نحو 3.1 ملايين برميل يومياً- لكن تأثيرها الأبرز في موقعها الجيوستراتيجي المؤثر في تدفق الإمدادات. دولة مثل قطر تصدر نحو 20% من إمدادات العالم من الغاز المسال، الآن تعرقل الحرب مرور سفن الغاز، بتهديد الممرات الملاحية والبنى الحيوية بالمنطقة. تشتعل المزايدات بين آسيا وأوروبا على شحنات الغاز الأميركية، ما يعني ارتفاعاً صاروخياً في فواتير التدفئة والكهرباء في شتاء أوروبا وصيف آسيا.

هذه "المعركة الموازية" تمتد أبعد من ذلك في أميركا. يراقب البيت الأبيض بارتياب تأثير هذه الحرب على جيوب الناخبين. وعدهم الرئيس دونالد ترامب بخفض الأسعار، لكن ارتفاع النفط فوق 70 دولاراً وصعود التضخم يعني أسعار فائدة مرتفعة، تثقل كاهل الأميركيين وتقوض حلم الازدهار الذي يروج له ترامب. وهذا قد يعيد رسم الخريطة السياسية الداخلية الأميركية، مع اقتراب انتخابات "التجديد النصفي" للكونغرس. فالحرب التي أشعلتها الإمبراطورية قد تطيح بحساباتها الداخلية. الضربة الأخطر قد تصيب أهم أسلحتها أي "الدولار الأميركي". الآن يواجه "الفيدرالي الأميركي" وحش التضخم مجدداً، وقد يضطر لرفع الفائدة بدلاً من خفضها على المدى القصير، وربما يرتفع الدولار لأنه "الملاذ الآمن"، لكن على المدى المتوسط، قد تتراجع هيمنته. الدول المستوردة للنفط، خاصة الصين والهند، ترى مشهداً مرعباً: الدولار يرتفع (ما يجعل فاتورة استيراد النفط المقومة بالدولار أثقل) والنفط يرتفع. "معادلة صعبة" تدفع هذه الدول للبحث عن بدائل. إننا أمام "إعادة ضبط قسرية" للعالم. تُكتب قواعد جديدة للاقتصاد بالدماء والصواريخ.

عربياً، الاقتصادات على صفيح ساخن. دول الخليج في موقع لا تُحسد عليه؛ هي الحليف الأقرب لواشنطن، والجار الأقرب لطهران. المشهد ليس جديداً في تفاصيله، لكنه جديد في فداحة ثمنه الاقتصادي. العرب هنا، في مرمى النيران. تحولت دبي، رمز الرفاهية والانفتاح، إلى هدف غير مقصود. اهتزت المباني في الرياض والدوحة والكويت والمنامة ليس فقط من دوي الانفجارات، بل من رجفة الأسواق، ولو طال أمد الحرب فإنه يعني نزيفاً اقتصادياً صامتاً: السياحة، القطاع الحيوي الذي تراهن عليه الدول العربية النفطية وغير النفطية لتنويع اقتصاداتها، أصبح أول الضحايا، وإغلاق بعض مطارات المنطقة يمثل "جلطة" في شريان حركة النقل والسياحة العالمية.

كذلك تراجع الاستثمار، وربما هروب رؤوس الأموال، وزيادة البطالة في الدول المصدرة للنفط والغاز نتيجة تأجيل مشاريع التنمية، مع تآكل احتياطيات النقد الأجنبي في الدول العربية المستوردة للغذاء، فمصر، التي نجحت في بناء احتياطي نقدي قياسي 52 مليار دولار، وأتبعت نظام سعر صرف مرناً، قد تجد نفسها أمام تحد مزدوج: تراجع إيرادات قناة السويس والسياحة، وزيادة حادة في فاتورة استيراد السلع الأساسية لارتفاع تكلفة الشحن والتأمين، ومثلها الأردن ولبنان وتونس. إن العالم العربي ليس فقط في "عين العاصفة"، بل هو من يدفع فاتورة العاصفة مرتين: مرة بالدم، ومرة بالخبز!

يواجه الاقتصاد العالمي الآن اختباراً قاسياً. ومع كل صاروخ يُضرب أو مضيق يُغلق تثبت الجغرافيا مجدداً أنها قدر البشرية. أذابت العولمة الحدود الجغرافية، لكنها جعلت أي شرارة محلية تشعل غابة عالمية، فالاقتصاد هو "الضحية الصامتة" التي تصرخ أوجاعها في طوابير الخبز وأسعار الدواء، لتقول للإنسانية: إن السلام ليس ترفاً سياسياً، بل حجر الزاوية لكل ازدهار بشري.

ما زالت الحرب في بدايتها، والغبار الكثيف يحجب الرؤية، لكن المؤكد أن العالم بعد انقشاع الغبار، لن يكون كما نعرفه!