.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم يدخل لبنان الحرب… بل أُدخل إليها. وما جرى ليس قراراً لبنانياً، بل امتداد لقرار إيراني يُنفّذ على أرضه.
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وبعد الضربة التي استهدفت طهران وأطاحت برأس النظام، لم يكن أمام إيران ترف الوقت. كان عليها أن ترد… بسرعة، وبأي وسيلة متاحة. الوسيلة كانت جاهزة: الجبهات. ومن بين هذه الجبهات، كان لبنان الأكثر هشاشة… والأكثر قابلية للاشتعال.
لسنوات، بنت إيران شبكة نفوذها عبر ما يُعرف بـ"محور المقاومة". لكن هذه الشبكة، في لحظة الاختبار، تحوّلت من أداة نفوذ إلى شبكة كلفة.
في هذا المحور، لم يكن لبنان يوماً صاحب القرار الكامل. كان ساحة متقدمة، وجبهة قابلة للتفعيل عند الحاجة. "حزب الله" لم يتحرك هذه المرة ضمن سياق لبناني داخلي، بل ضمن إيقاع إقليمي واضح: ضربة في طهران… وردّ من الأطراف.
لحظة التحول: عندما سقط الرأس
مقتل المرشد الإيراني شكّل نقطة فاصلة. ليس فقط لأنه استهداف لشخص، بل لأنه استهداف لبنية القرار.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون الردّ خياراً… بل ضرورة. لكن إيران، تحت الضغط، لم تفتح جبهتها الداخلية مباشرة، بل لجأت إلى ما تملكه: أذرعها.
وهنا، تحرك لبنان. أطلق "حزب الله" صواريخ ومسيّرات باتجاه شمال إسرائيل، وُصفت بأنها "رد تحذيري". لكن في الحروب، لا وجود لشيء اسمه رد محدود. كل فعل يفتح باباً، وكل باب يقود إلى تصعيد.
النتيجة كانت سريعة: غارات على الضاحية، ثم البقاع، ثم الجنوب. ما وُصف بأنه تحذير… تحوّل إلى استدعاء مباشر للرد.
من يدفع الثمن؟
المعادلة هنا واضحة، وربما قاسية: إيران تقاتل… لكن لبنان يدفع. نزوح من الجنوب والضاحية. مدارس تُفتح كملاجئ. عائلات تتفرق على الطرقات. في المقابل، القرار لا يُتخذ في بيروت.
أمام هذا المشهد، حاولت الدولة اللبنانية استعادة زمام المبادرة، عبر قرار غير مسبوق في وضوحه وسقفه السياسي. رئيس الحكومة نواف سلام أعلن، بعد جلسة لمجلس الوزراء في قصر بعبدا، موقفاً حاسماً تضمّن رفض إطلاق الصواريخ، والتأكيد أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة، مع إجراءات تصل إلى حد حظر نشاط "حزب الله" العسكري والأمني، والمطالبة بتسليم سلاحه.
لكن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في مضمونه التنفيذي، بل في دلالته السياسية الأعمق. لم تعد المسألة مجرد إدارة أزمة… بل محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة.
ليست هذه المرة مجرّد بيان حكومي عابر. قرار مجلس الوزراء بالحظر الفوري للنشاطات العسكرية والأمنية الخارجة عن الشرعية، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، هو إعلان سياسي صريح بأن زمن الازدواجية لم يعد مقبولاً، وأن منطق الدولة بدأ يستعيد موقعه.
أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في مضمونه، بل في وضوحه. فالدولة، للمرة الأولى بهذا الحسم، تقول إن أي سلاح خارج إطارها هو خارج القانون، وتضع معادلة جديدة: لا شرعية إلا شرعية الدولة، ولا قوة إلا تلك المنبثقة منها.
وهنا تحديداً، تنتقل الدولة من موقع التكيّف مع الأمر الواقع إلى موقع السعي لتغييره. لم تعد المسألة إدارة توازن هش، بل محاولة كسر هذا التوازن لمصلحة استعادة السيادة.