.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تتمحور سياسات إسرائيل في الضفة الغربية حول تكريس احتلالها، وتعزيز الأنشطة الاستيطانية في كل شبر فيها، وقضم مكانة السلطة الفلسطينية، بما يقارب ما يجري في غزة، وفقاً لمشروع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد حرب الإبادة الوحشية التي شنتها إسرائيل عليها، مستغلة اللحظة التاريخية الراهنة، التي تتماهى فيها سياسات الطرفين الأميركي والإسرائيلي، إزاء الفلسطينيين، لجهة إخراجهم من معادلات التسوية، ووأد فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتعزيز فكرة "إسرائيل الكبرى".
يمكن تقديم فكرة عن بعض التصورات الإسرائيلية، التي تنظّر لسياسات حكومة المتطرفين في إسرائيل، بقيادة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، من خلال مقالة كتبها باحثان عسكريان وأكاديميان، هما العقيد البروفيسور غابي سيبوني، والعميد إيرز فينر، وعنوانها: "اليوم التالي لرحيل عباس"، نشرها "مركز القدس للاستراتيجية والأمن"، في الشهر الجاري.
ينطلق الكاتبان، في تلك المقالة، من أن السلطة الفلسطينية في الضفة "أصبحت عبئاً أمنياً بدل أن تكون رصيداً استراتيجياً"، في المجالات، السياسية والأمنية والثقافية، وحتى في ما يتعلق بطريقة إدارتها لمجتمع الفلسطينيين، في استعادة لمقولة أن "ليس لإسرائيل شريك في التسوية"، التي كانت تطرحها، سابقاً، لتقويض شرعية الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ولتبرير تملصها من اتفاقات أوسلو.
إزاء هذا الوضع يقترح الكاتبان ما سمياه "نهجاً استراتيجياً شاملاً يتصدى للتهديدات الراهنة، ويستعد للتحديات المستقبلية"، ويتمثل أولاً بـ"إنشاء نظام مناطق عازلة أمنياً حول المستوطنات، وعلى طول طرق المواصلات الرئيسية... خالية من أي وجود فلسطيني، وسيتم الرد عسكرياً على أي تحرك مشبوه فيها". ثانياً، "مواجهة شاملة لمصادر تمويل المنظمات الإرهابية... خصم الأموال المُحوّلة إلى عائلات الإرهابيين من الأموال المُحوّلة إلى السلطة". ثالثاً، "اتخاذ إجراءات حاسمة ضد البناء غير القانوني في المنطقة (ج)". رابعاً: "التصدي للتحريض على أعمال إرهابية... ربط المساعدات الاقتصادية وفتح المعابر بوقف تعليم الكراهية وإزالة المحتوى التحريضي من الكتب المدرسية". خامساً: "قد يُؤدي اعتزال أبو مازن... إلى فراغ قيادي يُفضي إلى فوضى عارمة... بما في ذلك شنّ هجمات إرهابية ضد إسرائيل... في حال انهيار السلطة... قد تُضطر إسرائيل للعودة إلى الحكم العسكري في مناطق معينة من الضفة... الهدف منع الفوضى والسماح بإعادة تنظيم قيادة فلسطينية مسؤولة، مع ضمان مصالح إسرائيل الأمنية. سادساً: "أحد البدائل للسلطة تطوير نموذج الإمارات المحلية أو الحكم الذاتي المحلي في مختلف المناطق. يقوم هذا النموذج على قيادة محلية غير ملتزمة بالإيديولوجية الوطنية الفلسطينية، وتهتم أكثر بالتنمية الاقتصادية وجودة حياة السكان".
واضح أن إسرائيل تطبق هذه المقترحات على الأرض، ويأتي ضمن ذلك تشريع الاستيطان، وشراء الأراضي في كل شبر من الضفة الغربية، وتعزيز الإدارة المدنية ـ الإسرائيلية للضفة، وشرعنة ميليشيا المستوطنين، ما يفيد في استعادتها إدارة الأرض والموارد والسكان، وتحجيم، وإزاحة السلطة الفلسطينية، تمهيداً للتخلص منها، أو إيجاد بدائل لها.
واضح أن إسرائيل باتت تستسهل هذه النقلة في سياساتها التوسعية، التي ربما تشمل، لاحقاً، الانتقال من سياسة الضم المتدرج، العملي للضفة إلى إعلان الضم الرسمي لها، ومن انتهاج سياسة إدارة الصراع مع الفلسطينيين إلى سياسة حسم الصراع معهم.
في الواقع، فإن إسرائيل، بعد كل ما حصل، باتت تعتبر أنه لم يعد يوجد شيء، أو طرف ما، قادر على كبحها، بخاصة مع الدعم الذي تتلقاه من إدارة ترامب، التي باتت تقدم خدمات قنصلية من داخل بعض مستوطنات الضفة، والتي تشرعن ما تقوم به إسرائيل، بعد أن قامت بتبييض صفحتها في حرب الإبادة الوحشية بضمها إلى "مجلس السلام"، الذي شكله ترامب أخيراً، علماً بأن الرئيس الأميركي، إبان حقبة إدارته الأولى، منح نوعاً من الشرعية للاستيطان الإسرائيلي في الضفة، ولضم إسرائيل للقدس باعتبارها عاصمة موحدة لها.
على الصعيد العربي لا يمكن الحديث عن أي مواجهة مع إسرائيل، بعد التحولات العاصفة الحاصلة في المشرق العربي؛ وهذا يشمل الوضع الفلسطيني، إذ تكاد تكون القيادة الفلسطينية على الهامش، بعد حرب الإبادة التي تعرضت لها غزة، وبنتيجة الحصار الإسرائيلي المفروض عليها، وكذلك نتيجة ضعف بناها، وانحسار شرعيتها.
هذا يأخذنا إلى مقال ثان، للكاتبين غابي سيبوني وإيريز فينر، نشر في "معهد القدس للاستراتيجية والأمن 16/12/2025"، وعنوانه: "الحسم والنصر". أكد الكاتبان فيه ضرورة تمييز إسرائيل بين مفهومي الحسم والنصر في الحرب، بناء على مثال حرب إسرائيل في غزة. وبرأيهما فإن الحسم يتعلق بتقويض قوة الخصم العسكرية، ومنع قدرته على توجيه أية ضربات مستقبلية، في حين أن النصر يتعلق بالربط بين الجوانب العسكرية والسياسية والثقافية، وأن النصر يعني تغيير الواقع السياسي والأمني بشكل استراتيجي، وإخضاع الطرف الآخر عبر الزمن، بما في ذلك فرض الاستسلام عليه، لا ميدانياً فقط، بل على صعيد الثقافة أيضاً.
لنلاحظ أن هذا ما تحاول إسرائيل فعله بدعم أميركي، لا في غزة والضفة فحسب، بل في سوريا ولبنان، وفي الرد على الحوثيين في اليمن، وحتى إزاء إيران أيضاً، بمعنى أن إسرائيل باتت بمثابة فيل في محل فخار، أو كالأزعر في الحارة، أقله في المدى المنظور.